cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 112:1

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

وهَهُنا بَحْثٌ آخَرُ أشْرَفُ وأعْلى مِمّا ذَكَرْناهُ وهو أنَّ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى إمّا أنْ تَكُونَ إضافِيَّةً وإمّا أنْ تَكُونَ سَلْبِيَّةً، أمّا الإضافِيَّةُ فَكَقَوْلِنا: عالِمٌ، قادِرٌ مُرِيدٌ خَلّاقٌ، وأمّا السَّلْبِيَّةُ فَكَقَوْلِنا: لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا بِجَوْهَرٍ ولا بِعَرَضٍ والمَخْلُوقاتُ تَدُلُّ أوَّلًا عَلى النَّوْعِ الأوَّلِ مِنَ الصِّفاتِ وثانِيًا عَلى النَّوْعِ الثّانِي مِنها، وقَوْلُنا: اللَّهُ يَدُلُّ عَلى مَجامِعِ الصِّفاتِ الإضافِيَّةِ، وقَوْلُنا: أحَدٌ يَدُلُّ عَلى مَجامِعِ الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ، فَكانَ قَوْلُنا: (اللَّهُ أحَدٌ) تامًّا في إفادَةِ العِرْفانِ الَّذِي يَلِيقُ بِالعُقُولِ البَشَرِيَّةِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ لَفْظَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلى مَجامِعِ الصِّفاتِ الإضافِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، واسْتِحْقاقُ العِبادَةِ لَيْسَ إلّا لِمَن يَكُونُ مُسْتَبِدًّا بِالإيجادِ والإبْداعِ، والِاسْتِبْدادُ بِالإيجادِ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن كانَ مَوْصُوفًا بِالقُدْرَةِ التّامَّةِ والإرادَةِ النّافِذَةِ والعِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، وهَذِهِ مَجامِعُ الصِّفاتِ الإضافِيَّةِ، وأمّا مَجامِعُ الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ فَهي الأحَدِيَّةُ، وذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الأحَدِيَّةِ كَوْنُ تِلْكَ الحَقِيقَةِ في نَفْسِها مُفْرَدَةً مُنَزَّهَةً عَنْ أنْحاءِ التَّرْكِيبِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ماهِيَّةٍ مُرَكَّبَةٍ فَهي مُفْتَقِرَةٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن أجْزائِهِ غَيْرُهُ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُفْتَقِرٌ إلى غَيْرِهِ، وكُلُّ مُفْتَقِرٍ إلى غَيْرِهِ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهو مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، فالإلَهُ الَّذِي هو مَبْدَأٌ لِجَمِيعِ الكائِناتِ مُمْتَنِعٌ أنْ يَكُونَ مُمْكِنًا، فَهو في نَفْسِهِ فَرْدٌ أحَدٌ وإذا ثَبَتَتِ الأحَدِيَّةُ، وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُتَحَيِّزًا؛ لِأنَّ كُلَّ مُتَحَيِّزٍ فَإنَّ يَمِينَهُ مُغايِرٌ لِيَسارِهِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُنْقَسِمٌ، فالأحَدُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا، وإذا لَمْ يَكُنْ مُتَحَيِّزًا لَمْ يَكُنْ في شَيْءٍ مِنَ الأحْيازِ والجِهاتِ، ويَجِبُ أنْ لا يَكُونَ حالًّا في شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ مَعَ مَحَلِّهِ لا يَكُونُ أحَدًا، ولا يَكُونُ مَحَلًّا لِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ مَعَ حالِّهِ لا يَكُونُ أحَدًا، وإذا لَمْ يَكُنْ حالًّا ولا مَحَلًّا لَمْ يَكُنْ مُتَغَيِّرًا البَتَّةَ لِأنَّ التَّغَيُّرَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ، وأيْضًا إذا كانَ أحَدًا وجَبَ أنْ يَكُونَ واحِدًا إذْ لَوْ فُرِضَ مَوْجُودانِ واجِبا الوُجُودِ لاشْتَرَكا في الوُجُوبِ ولَتَمايَزا في التَّعَيُّنِ وما بِهِ المُشارَكَةُ غَيْرُ ما بِهِ المُمايَزَةُ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ أحَدًا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ واحِدًا فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْقَلُ كَوْنُ الشَّيْءِ أحَدًا، فَإنَّ كُلَّ حَقِيقَةٍ تُوصَفُ بِالأحَدِيَّةِ فَهُناكَ تِلْكَ الحَقِيقَةُ مِن تِلْكَ الأحَدِيَّةِ ومَجْمُوعِهِما فَذاكَ ثالِثُ ثَلاثٍ لا أحَدٌ.

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.