Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 111:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
يُشافِهَ عَمَّهُ بِهَذا التَّغْلِيظِ الشَّدِيدِ، وكانَ نُوحٌ مَعَ أنَّهُ في نِهايَةِ التَّغْلِيظِ عَلى الكُفّارِ قالَ في ابْنِهِ الكافِرِ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُخاطِبُ أباهُ بِالشَّفَقَةِ في قَوْلِهِ: يا أبَتِ، يا أبَتِ، وأبُوهُ كانَ يُخاطِبُهُ بِالتَّغْلِيظِ الشَّدِيدِ، ولَمّا قالَ لَهُ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] قالَ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] وأمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا بَعَثَهُ إلى فِرْعَوْنَ قالَ لَهُ ولِهارُونَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] مَعَ أنَّ جُرْمَ فِرْعَوْنَ كانَ أغْلَظَ مِن جُرْمِ أبِي لَهَبٍ، كَيْفَ ومِن شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ الأبَ لا يُقْتَلُ بِابْنِهِ قِصاصًا ولا يُقِيمُ الرَّجْمَ عَلَيْهِ، وإنْ خاصَمَهُ أبُوهُ وهو كافِرٌ في الحَرْبِ فَلا يَقْتُلُهُ بَلْ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ حَتّى يَقْتُلَهُ غَيْرُهُ ؟
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَصْرِفُ النّاسَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ مَجْنُونٌ والنّاسُ ما كانُوا يَتَّهِمُونَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ كالأبِ لَهُ، فَصارَ ذَلِكَ كالمانِعِ مِن أداءِ الرِّسالَةِ إلى الخَلْقِ فَشافَهَهُ الرَّسُولُ بِذَلِكَ حَتّى عَظُمَ غَضَبُهُ وأظْهَرَ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ، فَصارَ بِسَبَبِ تِلْكَ العَداوَةِ مُتَّهَمًا في القَدْحِ في مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ.