Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 110:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ودَخَلَ مَكَّةَ، وقالَ: إنَّ مُحَمَّدًا جاءَ بِعَسْكَرٍ لا يُطِيقُهُ أحَدٌ، فَصاحَتْ هِنْدٌ وقالَتْ: اقْتُلُوا هَذا المُبَشِّرَ، وأخَذَتْ بِلِحْيَتِهِ فَصاحَ الرَّجُلُ ودَفَعَها عَنْ نَفْسِهِ، ولَمّا سَمِعَ أبُو سُفْيانَ أذانَ القَوْمِ لِلْفَجْرِ، وكانُوا عَشَرَةَ آلافِ فَزِعَ لِذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا وسَألَ العَبّاسَ، فَأخْبَرَهُ بِأمْرِ الصَّلاةِ، ودَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ عَلى راحِلَتِهِ ولِحْيَتُهُ عَلى قُرْبُوسِ سَرْجِهِ كالسّاجِدِ تَواضُعًا وشُكْرًا، ثُمَّ التَمَسَ أبُو سُفْيانَ الأمانَ، فَقالَ: مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ، فَقالَ: ومَن تَسَعُ دارِي، فَقالَ: ومَن دَخَلَ المَسْجِدَ فَهو آمِنٌ، فَقالَ: ومَن يَسَعُ المَسْجِدُ، فَقالَ: مَن ألْقى سِلاحَهُ فَهو آمِنٌ، ومَن أغْلَقَ بابَهُ فَهو آمِنٌ، ثُمَّ وقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى بابِ المَسْجِدِ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ صَدَقَ وعْدَهُ ونَصَرَ عَبْدَهُ وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ، ثُمَّ قالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ ما تَرَوْنَ أنِّي فاعِلٌ بِكم ؟ فَقالُوا: خَيْرًا أخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ، فَقالَ: اذْهَبُوا فَأنْتُمُ الطُّلَقاءُ» فَأعْتَقَهم؛ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أهْلُ مَكَّةَ الطُّلَقاءَ، ومِن ذَلِكَ كانَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ لِمُعاوِيَةَ: أنّى يَسْتَوِي المَوْلى والمُعْتَقُ يَعْنِي أعْتَقْناكم حِينَ مَكَّنَنا اللَّهُ مِن رِقابِكم ولَمْ يَقُلِ: اذْهَبُوا فَأنْتُمْ مُعْتَقُونَ، بَلْ قالَ: الطُّلَقاءُ؛ لِأنَّ المُعْتَقَ يَجُوزُ أنْ يُرَدَّ إلى الرِّقِّ، والمُطَلَّقَةُ يَجُوزُ أنْ تُعادَ إلى رِقِّ النِّكاحِ وكانُوا بَعْدُ عَلى الكُفْرِ، فَكانَ يَجُوزُ أنْ يَخُونُوا فَيُسْتَباحَ رِقُّهم مَرَّةً أُخْرى؛ ولِأنَّ الطَّلاقَ يَخُصُّ النِّسْوانَ، وقَدْ ألْقَوُا السِّلاحَ وأخَذُوا المَساكِنَ كالنِّسْوانِ؛ ولِأنَّ المُعْتَقَ يُخْلى سَبِيلُهُ يَذْهَبُ حَيْثُ شاءَ، والمُطَلَّقَةُ تَجْلِسُ في البَيْتِ لِلْعِدَّةِ، وهم أُمِرُوا بِالجُلُوسِ بِمَكَّةَ كالنِّسْوانِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى الإسْلامِ، فَصارُوا يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَلّى ثَمانِ رَكَعاتٍ: أرْبَعَةٌ صَلاةُ الضُّحى، وأرْبَعَةٌ أُخْرى شُكْرًا لِلَّهِ نافِلَةً»، فَهَذِهِ هي قِصَّةُ فَتْحِ مَكَّةَ.