Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 108:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القَوْلُ الخامِسَ عَشَرَ: أنَّ المُرادَ مِنَ الكَوْثَرِ جَمِيعُ نِعَمِ اللَّهِ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو المَنقُولُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّ لَفْظَ الكَوْثَرِ يَتَناوَلُ الكَثْرَةَ الكَثِيرَةَ، فَلَيْسَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى بَعْضِ هَذِهِ النِّعَمِ أوْلى مِن حَمْلِها عَلى الباقِي فَوَجَبَ حَمْلُها عَلى الكُلِّ، ورُوِيَ أنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، لَمّا رَوى هَذا القَوْلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ لَهُ بَعْضُهم: إنْ ناسًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ نَهْرٌ في الجَنَّةِ، فَقالَ سَعِيدٌ: النَّهْرُ الَّذِي في الجَنَّةِ مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ الَّذِي أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى قَدْ أعْطاهُ ذَلِكَ الكَوْثَرَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الأقْرَبُ حَمْلَهُ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النُّبُوَّةِ والقُرْآنِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ والنُّصْرَةِ عَلى الأعْداءِ، وأمّا الحَوْضُ وسائِرُ ما أُعِدَّ لَهُ مِنَ الثَّوابِ فَهو وإنْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ داخِلٌ فِيهِ لِأنَّ ما ثَبَتَ بِحُكْمِ وعْدِ اللَّهِ فَهو كالواقِعِ إلّا أنَّ الحَقِيقَةَ ما قَدَّمْناهُ لِأنَّ ذَلِكَ وإنْ أُعِدَّ لَهُ فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ عَلى الحَقِيقَةِ إنَّهُ أعْطاهُ في حالِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ بِمَكَّةَ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ مَن أقَرَّ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ بِضَيْعَةٍ لَهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أعْطاهُ تِلْكَ الضَّيْعَةَ مَعَ أنَّ الصَّبِيَّ في تِلْكَ الحالِ لا يَكُونُ أهْلًا لِلتَّصَرُّفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.