Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 108:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: أنَّهُ قالَ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ وهو إشارَةٌ إلى زَوالِ الفَقْرِ حَتّى يَقْدِرَ عَلى النَّحْرِ، وقَدْ وقَعَ فَيَكُونُ هَذا أيْضًا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ وكانَ الأمْرُ عَلى ما أخْبَرَ فَكانَ مُعْجِزًا.
ورابِعُها: أنَّهم عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِها مَعَ صِغَرِها، فَثَبَتَ أنَّ وجْهَ الإعْجازِ في كَمالِ القُرْآنِ، إنَّما تَقَرَّرَ بِها لِأنَّهم لَمّا عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِها مَعَ صِغَرِها فَبِأنْ يَعْجِزُوا عَنْ مُعارَضَةِ كُلِّ القُرْآنِ أوْلى، ولَمّا ظَهَرَ وجْهُ الإعْجازِ فِيها مِن هَذِهِ الوُجُوهِ فَقَدْ تَقَرَّرَتِ النُّبُوَّةُ، وإذا تَقَرَّرَتِ النُّبُوَّةُ فَقَدْ تَقَرَّرَ التَّوْحِيدُ ومَعْرِفَةُ الصّانِعِ، وتَقَرَّرَ الدَّيْنُ والإسْلامُ، وتَقَرَّرَ أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ، وإذا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الأشْياءُ تَقَرَّرَ جَمِيعُ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَهَذِهِ السُّورَةُ جارِيَةٌ مُجْرى النُّكْتَةِ المُخْتَصَرَةِ القَوِيَّةِ الوافِيَةِ بِإثْباتِ جَمِيعِ المَقاصِدِ، فَكانَتْ صَغِيرَةً في الصُّورَةِ كَبِيرَةً في المَعْنى، ثُمَّ لَها خاصِّيَّةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِها، وهي أنَّها ثَلاثُ آياتٍ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها مُعْجِزٌ فَهي بِكُلِّ واحِدَةٍ مِن آياتِها مُعْجِزٌ وبِمَجْمُوعِها مُعْجِزٌ وهَذِهِ الخاصِّيَّةُ لا تُوجَدُ في سائِرِ السُّوَرِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكَوْثَرِ هو هَذِهِ السُّورَةُ.