Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 108:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: أنّا إمّا أنْ نَحْمِلَ الكَوْثَرَ عَلى نِعَمِ الآخِرَةِ، أوْ عَلى نِعَمِ الدُّنْيا، والأوَّلُ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ قالَ: أعْطَيْنا، ونِعَمُ الجَنَّةِ سَيُعْطِيها لا أنَّهُ أعْطاها، فَوَجَبَ حَمْلُ الكَوْثَرِ عَلى ما وصَلَ إلَيْهِ في الدُّنْيا، وأشْرَفُ الأُمُورِ الواصِلَةِ إلَيْهِ في الدُّنْيا هو العِلْمُ والنُّبُوَّةُ داخِلَةٌ في العِلْمِ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى العِلْمِ.
وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ والشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلى العِبادَةِ هو المَعْرِفَةُ، ولِذَلِكَ قالَ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢] وقالَ في طه: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] فَقَدَّمَ في السُّورَتَيْنِ المَعْرِفَةَ عَلى العِبادَةِ؛ ولِأنَّ فاءَ التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ: (فَصَلِّ) تَدُلُّ عَلى أنَّ إعْطاءَ الكَوْثَرِ كالمُوجِبِ لِهَذِهِ العِبادَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُوجِبَ لِلْعِبادَةِ لَيْسَ إلّا العِلْمَ.