Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 108:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والمِلْكُ سَبَبُ الِاخْتِصاصِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا قالَ سُلَيْمانُ: ﴿هَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] فَقالَ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩] ولِهَذا السَّبَبِ مَن حَمَلَ الكَوْثَرَ عَلى الحَوْضِ قالَ: الأُمَّةُ تَكُونُ أضْيافًا لَهُ، أمّا الإيتاءُ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ المِلْكَ، فَلِهَذا قالَ في القُرْآنِ: (آتَيْناكَ) [الحجر: ٨٧] فَإنَّهُ لا يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ أنْ يَكْتُمَ شَيْئًا مِنهُ.
الثّانِي: أنَّ الشَّرِكَةَ في القُرْآنِ شَرِكَةٌ في العُلُومِ ولا عَيْبَ فِيها، أمّا الشَّرِكَةُ في النَّهْرِ، فَهي شَرِكَةٌ في الأعْيانِ وهي عَيْبٌ.
الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ الإعْطاءَ ألْيَقُ بِهَذا المَقامِ مِنَ الإيتاءِ، هو أنَّ الإعْطاءَ يُسْتَعْمَلُ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأعْطى قَلِيلًا وأكْدى﴾ [النجم: ٣٤] أمّا الإيتاءُ، فَلا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّيْءِ العَظِيمِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٢] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ [سبأ: ١٠] والأتِيُّ السَّيْلُ المُنْصَبُّ، إذا ثَبَتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ يُفِيدُ تَعْظِيمَ حالِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: يَعْنِي: هَذا الحَوْضُ كالشَّيْءِ القَلِيلِ الحَقِيرِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو مُدَّخَرٌ لَكَ مِنَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ والمَراتِبِ الشَّرِيفَةِ، فَهو يَتَضَمَّنُ البِشارَةَ بِأشْياءَ هي أعْظَمُ مِن هَذا المَذْكُورِ.