cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 108:1

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ يُفِيدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَلَّمَ مَعَهُ لا بِواسِطَةٍ، فَهَذا يَقُومُ مَقامَ قَوْلِهِ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] بَلْ هَذا أشْرَفُ؛ لِأنَّ المَوْلى إذا شافَهَ عَبْدَهُ بِالتِزامِ التَّرْبِيَةِ والإحْسانِ كانَ ذَلِكَ أعْلى مِمّا إذا شافَهَهُ في غَيْرِ هَذا المَعْنى، بَلْ يُفِيدُ قُوَّةً في القَلْبِ ويُزِيلُ الجُبْنَ عَنِ النَّفْسِ، فَثَبَتَ أنَّ مُخاطَبَةَ اللَّهِ إيّاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ مِمّا يُزِيلُ الخَوْفَ عَنِ القَلْبِ والجُبْنَ عَنِ النَّفْسِ، فَقَدَّمَ هَذِهِ السُّورَةَ عَلى سُورَةِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] حَتّى يُمْكِنَهُ الِاشْتِغالُ بِذَلِكَ التَّكْلِيفِ الشّاقِّ والإقْدامِ عَلى تَكْفِيرِ جَمِيعِ العالَمِ، وإظْهارِ البَراءَةِ عَنْ مَعْبُودِهِمْ فَلَمّا امْتَثَلْتَ أمْرِي، فانْظُرْ كَيْفَ أنْجَزْتُ لَكَ الوَعْدَ، وأعْطَيْتُكَ كَثْرَةَ الأتْباعِ والأشْياعِ، إنَّ أهْلَ الدُّنْيا يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا تَمَّ أمْرُ الدَّعْوَةِ وإظْهارِ الشَّرِيعَةِ، شَرَعَ في بَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ القَلْبِ والباطِنِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الطّالِبَ إمّا أنْ يَكُونَ طَلَبُهُ مَقْصُورًا عَلى الدُّنْيا، أوْ يَكُونَ طالِبًا لِلْآخِرَةِ، أمّا طالِبُ الدُّنْيا فَلَيْسَ لَهُ إلّا الخَسارُ والذُّلُّ والهَوانُ، ثُمَّ يَكُونُ مَصِيرُهُ إلى النّارِ، وهو المُرادُ مِن سُورَةِ تَبَّتْ، وأمّا طالِبُ الآخِرَةِ فَأعْظَمُ أحْوالِهِ أنْ تَصِيرَ نَفْسُهُ كالمِرْآةِ الَّتِي تَنْتَقِشُ فِيها صُوَرُ المَوْجُوداتِ، وقَدْ ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ طَرِيقَ الخَلْقِ في مَعْرِفَةِ الصّانِعِ عَلى وجْهَيْنِ: مِنهم مَن عَرَفَ الصّانِعَ، ثُمَّ تَوَسَّلَ بِمَعْرِفَتِهِ إلى مَعْرِفَةِ مَخْلُوقاتِهِ، وهَذا هو الطَّرِيقُ الأشْرَفُ الأعْلى، ومِنهم مَن عَكَسَ وهو طَرِيقُ الجُمْهُورِ.

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.