Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 108:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
يُكَفِّرَ جَمِيعَ أهْلِ الدُّنْيا بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ عَسْفَ النّاسِ عَلى مَذاهِبِهِمْ وأدْيانِهِمْ أشَدُّ مِن عَسْفِهِمْ عَلى أرْواحِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم يَبْذُلُونَ أمْوالَهم وأرْواحَهم في نُصْرَةِ أدْيانِهِمْ، فَلا جَرَمَ كانَ الطَّعْنُ في مَذاهِبِ النّاسِ يُثِيرُ مِنَ العَداوَةِ والغَضَبِ ما لا يُثِيرُ سائِرُ المَطاعِنِ، فَلَمّا أمَرَهُ بِأنْ يُكَفِّرَ جَمِيعَ أهْلِ الدُّنْيا، ويُبْطِلَ أدْيانَهم لَزِمَ أنْ يَصِيرَ جَمِيعُ أهْلِ الدُّنْيا في غايَةِ العَداوَةِ لَهُ، وذَلِكَ مِمّا يَحْتَرِفُ عَنْهُ كُلُّ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ فَلا يَكادُ يُقْدِمُ عَلَيْهِ، وانْظُرْ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَيْفَ كانَ يَخافُ مِن فِرْعَوْنَ وعَسْكَرِهِ، وأمّا هَهُنا فَإنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ مَبْعُوثًا إلى جَمِيعِ أهْلِ الدُّنْيا، كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخَلْقِ، كَفِرْعَوْنَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَدَبَّرَ تَعالى في إزالَةِ هَذا الخَوْفِ الشَّدِيدِ تَدْبِيرًا لَطِيفًا، وهو أنَّهُ قَدَّمَ عَلى تِلْكَ السُّورَةِ، هَذِهِ السُّورَةَ فَإنَّ قَوْلَهُ: (﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ يُزِيلُ عَنْهُ ذَلِكَ الخَوْفَ مِن وُجُوهٍ: