Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 107:2-5
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في تَعْرِيفِ مَن يُكَذِّبُ بِالدِّينِ وصْفَيْنِ:
أحَدُهُما: مِن بابِ الأفْعالِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ .
والثّانِي: مِن بابِ التُّرُوكِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ ”فَذَلِكَ“ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ لَمّا كانَ كافِرًا مُكَذِّبًا كانَ كُفْرُهُ سَبَبًا لِدَعِّ اليَتِيمِ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلَيْهِما عَلى مَعْنى أنَّ الصّادِرَ عَمَّنْ يُكَذِّبُ بِالدِّينِ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ، لِأنّا نَعْلَمُ أنَّ المُكَذِّبَ بِالدِّينِ لا يَقْتَصِرُ عَلى هَذَيْنِ بَلْ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ مِثالًا واحِدًا تَنْبِيهًا بِذِكْرِهِ عَلى سائِرِ القَبائِحِ، أوْ لِأجْلِ أنَّ هاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ، كَما أنَّهُما قَبِيحانِ مُنْكَرانِ بِحَسَبِ الشَّرْعِ فَهُما أيْضًا مُسْتَنْكَرانِ بِحَسَبِ المُرُوءَةِ والإنْسانِيَّةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ يَدْفَعُهُ بِعُنْفٍ وجَفْوَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] وحاصِلُ الأمْرِ في دَعِّ اليَتِيمِ أُمُورٌ:
أحَدُها: دَفْعُهُ عَنْ حَقِّهِ ومالِهِ بِالظُّلْمِ.
والثّانِي: تَرْكُ المُواساةِ
صفحة ١٠٦
مَعَهُ، وإنْ لَمْ تَكُنِ المُواساةُ واجِبَةً. وقَدْ يُذَمُّ المَرْءُ بِتَرْكِ النَّوافِلِ لا سِيَّما إذا أُسْنِدَ إلى النِّفاقِ وعَدَمِ الدِّينِ.