Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 106:1-2
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُها: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ، فَإنَّ الجَزاءَ عَلى الكُفْرِ مُؤَخَّرٌ لِلْقِيامَةِ، قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] وقالَ: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] ولِأنَّهُ تَعالى لَوْ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ، لَكانَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِجَمِيعِ الكُفّارِ، بَلْ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ولِتَعْظِيمِ مَنصِبِهِمْ وإظْهارِ قَدْرِهِمْ.
وثانِيها: هَبْ أنَّ زَجْرَهم عَنِ الكُفْرِ مَقْصُودٌ لَكِنْ لا يُنافِي كَوْنَ شَيْءٍ آخَرَ مَقْصُودٍ حَتّى يَكُونَ الحُكْمُ واقِعًا بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ مَعًا.
وثالِثُها: هَبْ أنَّهم أُهْلِكُوا لِكُفْرِهِمْ فَقَطْ، إلّا أنَّ ذَلِكَ الإهْلاكَ لَمّا أدّى إلى إيلافِ قُرَيْشٍ، جازَ أنْ يُقالَ: أُهْلِكُوا لِإيلافِ قُرَيْشٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وهم لَمْ يَلْتَقِطُوهُ لِذَلِكَ، لَكِنْ لَمّا آلَ الأمْرُ إلَيْهِ حَسُنَ أنْ يُمَهِّدَ عَلَيْهِ الِالتِقاطَ.
صفحة ٩٨
الِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ”ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ لِإيلافِ قُرَيْشٍ“ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: كُلُّ ما فَعَلْنا بِهِمْ فَقَدْ فَعَلْناهُ، لِإيلافِ قُرَيْشٍ، فَإنَّهُ تَعالى جَعَلَ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ، حَتّى صارُوا كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأجْلِ إيلافِ قُرَيْشٍ.