Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 104:2
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: (الَّذِي) بَدَلٌ مِن كُلٍّ أوْ نَصْبٌ عَلى ذَمٍّ، وإنَّما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الوَصْفِ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ والعِلَّةِ في الهَمْزِ واللَّمْزِ وهو إعْجابُهُ بِما جَمَعَ مِنَ المالِ، وظَنُّهُ أنَّ الفَضْلَ فِيهِ لِأجْلِ ذَلِكَ فَيَسْتَنْقِصُ غَيْرَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ ”جَمَّعَ“ بِالتَّشْدِيدِ والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، والمَعْنى في جَمَّعَ وجَمَعَ واحِدٌ مُتَقارِبٌ، والفَرْقُ أنَّ ”جَمَّعَ“ بِالتَّشْدِيدِ يُفِيدُ أنَّهُ جَمَعَهُ مِن هَهُنا وهَهُنا، وأنَّهُ لَمْ يَجْمَعْهُ في يَوْمٍ واحِدٍ، ولا في يَوْمَيْنِ، ولا في شَهْرٍ ولا في شَهْرَيْنِ، يُقالُ: فُلانٌ يُجَمِّعُ الأمْوالَ أيْ يَجْمَعُها مِن هَهُنا وهَهُنا، وأمّا جَمَعَ بِالتَّخْفِيفِ، فَلا يُفِيدُ ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهُ: (مالًا) فالتَّنْكِيرُ فِيهِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ:
صفحة ٨٨
المالُ اسْمٌ لِكُلِّ ما في الدُّنْيا كَما قالَ: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٩] فَمالُ الإنْسانِ الواحِدِ بِالنِّسْبَةِ إلى مالِ كُلِّ الدُّنْيا حَقِيرٌ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَفْتَخِرَ بِذَلِكَ القَلِيلِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ التَّعْظِيمَ؛ أيْ: مالٌ بَلَغَ في الخُبْثِ والفَسادِ أقْصى النِّهاياتِ. فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَفْتَخِرَ بِهِ ؟ أمّا قَوْلُهُ: (وعَدَّدَهُ) فَفِيهِ وُجُوهٌ: