Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 103:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ قَسَمٌ بِزَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّما مَثَلُكم ومَثَلُ مَن كانَ قَبْلَكم مَثَلُ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا، فَقالَ: مَن يَعْمَلُ مِنَ الفَجْرِ إلى الظُّهْرِ بِقِيراطٍ ؟ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ، ثُمَّ قالَ: مَن يَعْمَلُ مِنَ الظُّهْرِ إلى العَصْرِ بِقِيراطٍ ؟ فَعَمِلَتِ النَّصارى، ثُمَّ قالَ: مَن يَعْمَلُ مِنَ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ بِقِيراطَيْنِ ؟ فَعَمِلْتُمْ أنْتُمْ، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ والنَّصارى، وقالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ عَمَلًا وأقَلُّ أجْرًا ! فَقالَ اللَّهُ: وهَلْ نَقَصْتُ مِن أجْرِكم شَيْئًا ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَهَذا فَضْلِي أُوتِيهِ مَن أشاءُ، فَكُنْتُمْ أقَلَّ عَمَلًا وأكْثَرَ أجْرًا» فَهَذا الخَبَرُ دَلَّ عَلى أنَّ العَصْرَ هو الزَّمانُ المُخْتَصُّ بِهِ وبِأُمَّتِهِ، فَلا جَرَمَ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والعَصْرِ﴾ أيْ والعَصْرِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ فَهو تَعالى أقْسَمَ بِزَمانِهِ في هَذِهِ الآيَةِ وبِمَكانِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢] وبِعُمُرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] فَكَأنَّهُ قالَ: وعَصْرِكَ وبَلَدِكَ وعُمُرِكَ، وذَلِكَ كُلُّهُ كالظَّرْفِ لَهُ، فَإذا وجَبَ تَعْظِيمُ حالِ الظَّرْفِ فَقِسْ حالَ المَظْرُوفِ، ثُمَّ وجَّهَ القَسَمَ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ حَضَرْتَهم ودَعَوْتَهم، وهم أعْرَضُوا عَنْكَ وما التَفَتُوا إلَيْكَ، فَما أعْظَمَ خُسْرانَهم وما أجَلَّ خِذْلانَهم.