Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 102:8
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القَوْلُ الثّامِنُ: إنَّما يُسْألُونَ عَنِ الزّائِدِ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ مِن مَطْعَمٍ ومَلْبَسٍ ومَسْكَنٍ.
والتّاسِعُ: وهو الأوْلى أنَّهُ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ النِّعَمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الألِفَ واللّامَ يُفِيدانِ الِاسْتِغْراقَ.
وثانِيها: أنَّهُ لَيْسَ صَرْفُ اللَّفْظِ إلى البَعْضِ أوْلى مِن صَرْفِهِ إلى الباقِي لا سِيَّما وقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَطْلُوبَ مِن مَنافِعِ هَذِهِ الدُّنْيا اشْتِغالُ العَبْدِ بِعُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.
وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ جَمِيعُ النِّعَمِ مِن فَلْقِ البَحْرِ والإنْجاءِ مِن فِرْعَوْنَ وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى فَكَذا هَهُنا.
ورابِعُها: أنَّ النَّعِيمَ التّامَّ كالشَّيْءِ الواحِدِ الَّذِي لَهُ أبْعاضٌ وأعْضاءٌ فَإذا أُشِيرَ إلى النَّعِيمِ فَقَدْ دَخَلَ فِيهِ الكُلُّ، كَما أنَّ التِّرْياقَ اسْمٌ لِلْمَعْجُونِ المُرَكَّبِ مِنَ الأدْوِيَةِ الكَثِيرَةِ فَإذا ذُكِرَ التِّرْياقُ فَقَدْ دَخَلَ الكُلُّ فِيهِ.
واعْلَمْ أنَّ النِّعَمَ أقْسامٌ فَمِنها ظاهِرَةٌ وباطِنَةٌ، ومِنها مُتَّصِلَةٌ ومُنْفَصِلَةٌ، ومِنها دِينِيَّةٌ ودُنْيَوِيَّةٌ، وقَدْ ذَكَرْنا أقْسامَ السَّعاداتِ بِحَسَبِ الجِنْسِ في تَفْسِيرِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأمّا تَعْدِيدُها بِحَسَبِ النَّوْعِ والشَّخْصِ فَغَيْرُ مُمْكِنٍ عَلى ما قالَهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] واسْتَعِنْ في مَعْرِفَةِ نِعَمِ اللَّهِ