Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 100:2
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ .
فاعْلَمْ أنَّ الإيراءَ إخْراجُ النّارِ، والقَدْحَ الصَّكُّ تَقُولُ: قَدَحَ فَأوْرى وقَدَّ فَأصْلَدَ، ثُمَّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ وُجُوهٌ:
صفحة ٦٢
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ضَرْبَ الخَيْلِ بِحَوافِرِها الجَبَلَ فَأوْرَتْ مِنهُ النّارَ مِثْلَ الزَّنْدِ إذا قُدِحَ، وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الخَيْلَ تَقْدَحْنَ بِحَوافِرِهِنَّ في الحِجارَةِ نارًا كَنارِ الحُباحِبِ، والحُباحِبُ اسْمُ رَجُلٍ كانَ بَخِيلًا لا يُوقِدُ النّارَ إلّا إذا نامَ النّاسُ، فَإذا انْتَبَهَ أحَدٌ أطْفَأ نارَهُ لِئَلّا يَنْتَفِعَ بِها أحَدٌ. فَشُبِّهَتْ هَذِهِ النّارُ الَّتِي تَنْقَدِحُ مِن حَوافِرِ الخَيْلِ بِتِلْكَ النّارِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ فِيها نَفْعٌ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّها نَعْلُ الحَدِيدِ يَصُكُّ الحَجَرَ فَتَخْرُجُ النّارُ، والأوَّلُ أبْلَغُ لِأنَّ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ تَكُونُ السَّنابِكُ نَفْسُها كالحَدِيدِ.
وثالِثُها: قالَ قَوْمٌ: هَذِهِ الآياتُ في الخَيْلِ، ولَكِنْ إيراؤُها أنْ تُهِيجَ الحَرْبَ بَيْنَ أصْحابِها وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] ومِنهُ يُقالُ لِلْحَرْبِ إذا التَحَمَتْ: حَمِيَ الوَطِيسُ.
وثالِثُها: هُمُ الَّذِينَ يَغْزُونَ فَيُورُونَ بِاللَّيْلِ نِيرانَهم لِحاجَتِهِمْ وطَعامِهِمْ ﴿فالمُورِياتِ﴾ هُمُ الجَماعَةُ مِنَ الغُزاةِ.
ورابِعُها: إنَّها هي الألْسِنَةُ تُورِي نارَ العَداوَةِ لِعِظَمِ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ.