Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 99:5-6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: بِمَ تَعَلَّقَتِ الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ﴾ ؟ الجَوابُ: بِـ”تُحَدِّثُ“، ومَعْناهُ تُحَدِّثُ أخْبارَها بِسَبَبِ إيحاءِ رَبِّكَ لَها.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لَمْ يَقُلْ أوْحى إلَيْها ؟ الجَوابُ: فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿أوْحى لَها﴾ أيْ أوْحى إلَيْها وأنْشَدَ العَجّاجُ:
أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ
الثّانِي: لَعَلَّهُ إنَّما قالَ: لَها؛ أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِأجْلِها حَتّى تَتَوَسَّلَ الأرْضُ بِذَلِكَ إلى التَّشَفِّي مِنَ العُصاةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ الصُّدُورُ ضِدُّ الوُرُودِ، فالوارِدُ: الجائِي، والصّادِرُ: المُنْصَرِفُ، وأشْتاتًا: مُتَفَرِّقِينَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَرِدُوا الأرْضَ، ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنِ الأرْضِ إلى عَرْصَةِ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَرِدُوا عَرْصَةَ القِيامَةِ لِلْمُحاسَبَةِ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْها إلى مَوْضِعِ الثَّوابِ والعِقابِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿أشْتاتًا﴾ أقْرَبُ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ ولَفْظَةُ الصَّدْرِ أقْرَبُ إلى الوَجْهِ الثّانِي، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ أقْرَبُ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِأنَّ رُؤْيَةَ أعْمالِهِمْ مَكْتُوبَةً في الصَّحائِفِ أقْرَبُ إلى الحَقِيقَةِ مِن رُؤْيَةِ جَزاءِ الأعْمالِ، وإنْ صَحَّ أيْضًا أنْ يُحْمَلَ عَلى رُؤْيَةِ جَزاءِ الأعْمالِ، وقَوْلُهُ: ﴿أشْتاتًا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: