Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 98:8
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الجَنَّةَ أتْبَعَهُ بِما هو أفْضَلُ مِنَ الجَنَّةِ وهو الخُلُودُ أوَّلًا والرِّضا ثانِيًا، ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -قالَ: «إنَّ الخُلُودَ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الجَنَّةِ، ورِضا اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الجَنَّةِ» . ٥٠ أمّا الصِّفَةُ الأُولى: وهي الخُلُودُ، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ وصَفَ الجَنَّةَ مَرَّةً بِجَنّاتِ عَدْنٍ، ومَرَّةً بِجَنّاتِ النَّعِيمِ، ومَرَّةً بِدارِ السَّلامِ، وهَذِهِ الأوْصافُ الثَّلاثَةُ إنَّما حَصَلَتْ لِأنَّكَ رَكَّبْتَ إيمانَكَ مِن أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: اعْتِقادٍ وقَوْلٍ وعَمَلٍ.
وأمّا الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: وهي الرِّضا، فاعْلَمْ أنَّ العَبْدَ مَخْلُوقٌ مِن جَسَدٍ ورُوحٍ، فَجَنَّةُ الجَسَدِ هي الجَنَّةُ المَوْصُوفَةُ، وجَنَّةُ الرُّوحِ هي رِضا الرَّبِّ، والإنْسانُ مُبْتَدَأُ أمْرِهِ مِن عالَمِ الجَسَدِ ومُنْتَهى أمْرِهِ مِن عالَمِ العَقْلِ والرُّوحِ، فَلا جَرَمَ ابْتَدَأ بِالجَنَّةِ وجَعَلَ المُنْتَهى هو رِضا اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ قَدَّمَ رِضى اللَّهِ عَنْهم عَلى قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾
صفحة ٥٣
لِأنَّ الأزَلِيَّ هو المُؤَثِّرُ في المُحْدَثِ، والمُحْدَثُ لا يُؤَثِّرُ في الأزَلِيِّ.