Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 98:8
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُكَلَّفَ لَمّا تَأمَّلَ وجَدَ نَفْسَهُ مَخْلُوقًا مِنَ المِحَنِ والآفاتِ، فَصاغَهُ مِن أنْجَسِ شَيْءٍ في أضْيَقِ مَكانٍ إلى أنْ خَرَجَ باكِيًا لا لِلْفِراقِ ولَكِنْ مُشْتَكِيًا مِن وحْشَةِ الحَبْسِ لِيُرْحَمَ، كالَّذِي يُطْلَقُ مِنَ الحَبْسِ يَغْلِبُهُ البُكاءُ لِيُرْحَمَ، ثُمَّ لَمْ يُرْحَمْ بَلْ شَدَّتْهُ القابِلَةُ ولَمْ يَكُنْ مَشْدُودًا في الرَّحِمِ ثُمَّ لَمْ يَمْضِ قَلِيلُ مُدَّةٍ حَتّى ألْقَوْهُ في المَهْدِ وشَدُّوهُ بِالقِماطِ، ثُمَّ لَمْ يَمْضِ قَلِيلٌ حَتّى أسْلَمُوهُ إلى أُسْتاذٍ يَحْبِسُهُ في المَكْتَبِ ويَضْرِبُهُ عَلى التَّعْلِيمِ وهَكَذا إلى أنْ بَلَغَ الحُلُمَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ شُدَّ بِمَسامِيرِ العَقْلِ والتَّكْلِيفِ، ثُمَّ إنَّ المُكَلَّفَ يَصِيرُ كالمُتَحَيِّرِ، يَقُولُ: مَنِ الَّذِي يَفْعَلُ فِيَّ هَذِهِ الأفْعالَ مَعَ أنَّهُ ما صَدَرَتْ عَنِّي جِنايَةٌ ! فَلَمْ يَزَلْ يَتَفَكَّرُ حَتّى ظَفِرَ بِالفاعِلِ، فَوَجَدَهُ عالِمًا لا يُشْبِهُ العالِمِينَ، وقادِرًا لا يُشْبِهُ القادِرِينَ، وعَرَفَ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ وإنْ كانَ صُورَتُهُ صُورَةَ المِحْنَةِ، لَكِنَّ حَقِيقَتَهُ مَحْضُ الكَرَمِ والرَّحْمَةِ، فَتَرَكَ الشِّكايَةَ وأقْبَلَ عَلى الشُّكْرِ، ثُمَّ وقَعَ في قَلْبِ العَبْدِ أنْ يُقابِلَ إحْسانَهُ بِالخِدْمَةِ لَهُ والطّاعَةِ، فَجَعَلَ قَلْبَهُ مَسْكَنًا لِسُلْطانِ عِرْفانِهِ، فَكَأنَّ الحَقَّ قالَ: عَبْدِي أنْزِلْ مَعْرِفَتِي في قَلْبِكَ حَتّى لا يُخْرِجَها مِنهُ شَيْءٌ أوْ يَسْبِقَها هُناكَ، فَيَقُولُ العَبْدُ: يا رَبِّ أنْزَلْتَ حُبَّ الثَّدْيِ في قَلْبِي ثُمَّ أخْرَجْتَهُ، وكَذا حُبُّ الأبِ والأُمِّ، وحُبُّ الدُّنْيا وشَهَواتِها وأخْرَجْتَ الكُلَّ. أمّا حُبُّكَ وعِرْفانُكَ فَلا أُخْرِجُهُما مِن قَلْبِي، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا بَقِيَتِ المَعْرِفَةُ والمَحَبَّةُ في أرْضِ القَلْبِ انْفَجَرَ مِن هَذا اليَنْبُوعِ أنْهارٌ وجَداوِلُ، فالجَدْوَلُ الَّذِي وصَلَ إلى العَيْنِ حَصَلَ مِنهُ الِاعْتِبارُ، والَّذِي وصَلَ إلى الأُذُنِ حَصَلَ مِنهُ اسْتِماعُ مُناجاةِ المَوْجُوداتِ وتَسْبِيحاتِهِمْ، وهَكَذا في جَمِيعِ الأعْضاءِ والجَوارِحِ، فَيَقُولُ اللَّهُ: عَبْدِي جَعَلْتُ قَلْبَكَ كالجَنَّةِ لِي وأجْرَيْتُ فِيهِ تِلْكَ الأنْهارَ دائِمَةً مُخَلَّدَةً، فَأنْتَ مَعَ عَجْزِكَ وقُصُورِكَ فَعَلْتَ هَذا، فَأنا أوْلى بِالجُودِ والكَرَمِ والرَّحْمَةِ فَجَنَّةٌ بِجَنَّةٍ، فَلِهَذا قالَ: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ بَلْ كَأنَّ الكَرِيمَ الرَّحِيمَ يَقُولُ: عَبْدِي أعْطانِي كُلَّ ما مَلَكَهُ، وأنا أعْطَيْتُهُ بَعْضَ ما في مِلْكِي، وأنا أوْلى مِنهُ بِالكَرَمِ والجُودِ، فَلا جَرَمَ جَعَلْتُ هَذا البَعْضَ مِنهُ مَوْهُوبًا دائِمًا مُخَلَّدًا، حَتّى يَكُونَ دَوامُهُ وخُلُودُهُ جابِرًا لِما فِيهِ مِنَ النُّقْصانِ الحاصِلِ بِسَبَبِ البَعْضِيَّةِ.