Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 97:4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مُشْتاقِينَ إلَيْنا، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَرْغَبُونَ إلَيْنا مَعَ عِلْمِهِمْ بِكَثْرَةِ مَعاصِينا ؟ قُلْنا: إنَّهم لا يَقِفُونَ عَلى تَفْصِيلِ المَعاصِي رُوِيَ أنَّهم يُطالِعُونَ اللَّوْحَ، فَيَرَوْنَ فِيهِ طاعَةَ المُكَلَّفِ مُفَصَّلَةً، فَإذا وصَلُوا إلى مَعاصِيهِ أُرْخِيَ السِّتْرُ فَلا تَرَوْنَها، فَحِينَئِذٍ يَقُولُ: سُبْحانَ مَن أظْهَرَ الجَمِيلَ، وسَتَرَ عَلى القَبِيحِ، ثُمَّ قَدْ ذَكَرْنا فَوائِدَ في نُزُولِهِمْ ونَذْكُرُ الآنَ فَوائِدَ أُخْرى وحاصِلُها أنَّهم يَرَوْنَ في الأرْضِ مِن أنْواعِ الطّاعاتِ أشْياءَ ما رَأوْها في عالَمِ السَّماواتِ:
أحَدُها: أنَّ الأغْنِياءَ يَجِيئُونَ بِالطَّعامِ مِن بُيُوتِهِمْ فَيَجْعَلُونَهُ ضِيافَةً لِلْفُقَراءِ والفُقَراءُ يَأْكُلُونَ طَعامَ الأغْنِياءِ ويَعْبُدُونَ اللَّهَ، وهَذا نَوْعٌ مِنَ الطّاعَةِ لا يُوجَدُ في السَّماواتِ.
وثانِيها: أنَّهم يَسْمَعُونَ أنِينَ العُصاةِ وهَذا لا يُوجَدُ في السَّماواتِ.
وثالِثُها: «أنَّهُ تَعالى قالَ: ”لَأنِينُ المُذْنِبِينَ أحَبُّ إلَيَّ مِن زَجَلِ المُسَبِّحِينَ» “ فَقالُوا: تَعالَوْا نَذْهَبْ إلى الأرْضِ فَنَسْمَعْ صَوْتًا هو أحَبُّ إلى رَبِّنا مِن صَوْتِ تَسْبِيحِنا، وكَيْفَ لا يَكُونُ أحَبَّ وزَجَلُ المُسَبِّحِينَ إظْهارٌ لِكَمالِ حالِ المُطِيعِينَ، وأنِينُ العُصاةِ إظْهارٌ لِغَفّارِيَّةِ رَبِّ الأرْضِ والسَّماواتِ [وهَذِهِ هي المَسْألَةُ الأُولى] .