Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 96:7-8
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الأخْفَشُ: لِأنْ رَآهُ فَحَذَفَ اللّامَ، كَما يُقالُ: إنَّكم لَتَطْغُونَ إنْ رَأيْتُمْ غِناكم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ: ﴿أنْ رَآهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: رَأى نَفْسَهُ كَما يُقالُ: قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّ ”رَأى“ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَسْتَدْعِي اسْمًا وخَبَرًا نَحْوَ الظَّنِّ والحِسْبانِ، والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ فَتَقُولُ: رَأيْتُنِي وظَنَنْتُنِي وحَسِبْتُنِي فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ مِن هَذا البابِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْنى﴾ وجْهانِ:
أحَدُهُما: اسْتَغْنى بِمالِهِ عَنْ رَبِّهِ، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ لَيْسَ هو الأوَّلَ، لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَنالُ الثَّرْوَةَ فَلا يَزِيدُ إلّا تَواضُعًا كَسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ كانَ يُجالِسُ
صفحة ٢٠
المَساكِينَ ويَقُولُ: ”مِسْكِينٌ جالَسَ مِسْكِينًا“ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ما طَغى مَعَ كَثْرَةِ أمْوالِهِ، بَلِ العاقِلُ يَعْلَمُ أنَّهُ عِنْدَ الغِنى يَكُونُ أكْثَرَ حاجَةً إلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ حالَ فَقْرِهِ، لِأنَّهُ في حالِ فَقْرِهِ لا يَتَمَنّى إلّا سَلامَةَ نَفْسِهِ، وأمّا حالَ الغِنى فَإنَّهُ يَتَمَنّى سَلامَةَ نَفْسِهِ ومالِهِ ومَمالِيكِهِ.