Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 96:6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الإنْسانِ هَهُنا إنْسانٌ واحِدٌ وهو أبُو جَهْلٍ، ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: نَزَلَتِ السُّورَةُ مِن هَهُنا إلى آخِرِها في أبِي جَهْلٍ. وقِيلَ: نَزَلَتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا﴾ [العَلَقِ: ٩] إلى آخِرِ السُّورَةِ في أبِي جَهْلٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فَجاءَ أبُو جَهْلٍ، فَقالَ: ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ فَزَجَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنِّي أكْثَرُ أهْلِ الوادِي نادِيًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ»﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ لَوْ دَعا نادِيَهُ لَأخَذَتْهُ زَبانِيَةُ اللَّهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا عَرَّفَهُ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن عَلَقٍ فَلا يَلِيقُ بِهِ التَّكَبُّرُ، فَهو عِنْدَ ذَلِكَ ازْدادَ طُغْيانًا وتَعَزُّزًا بِمالِهِ ورِياسَتِهِ في مَكَّةَ. ويُرْوى أنَّهُ قالَ: لَيْسَ بِمَكَّةَ أكْرَمُ مِنِّي. ولَعَلَّهُ لَعَنَهُ اللَّهُ قالَ ذَلِكَ رَدًّا لِقَوْلِهِ: ﴿ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ مِنهم مَن زَعَمَ أنَّهُ لَيْسَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ. ومِنهم مَن قالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَمْسُ آياتٍ مِن أوَّلِ السُّورَةِ نَزَلَتْ أوَّلًا، ثُمَّ نَزَلَتِ البَقِيَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ في شَأْنِ أبِي جَهْلٍ، ثُمَّ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِضَمِّ ذَلِكَ إلى أوَّلِ السُّورَةِ، لِأنَّ تَأْلِيفَ الآياتِ إنَّما كانَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨١] آخِرُ ما نَزَلَ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ ثُمَّ هو مَضْمُومٌ إلى ما نَزَلَ قَبْلَهُ بِزَمانٍ طَوِيلٍ.