Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 96:1-2
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ ذَكَرَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: (رَبِّكَ) قَوْلَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ ؟ الجَوابُ: كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: ما الدَّلِيلُ عَلى أنَّكَ رَبِّي ؟ فَيَقُولُ: لِأنَّكَ كُنْتَ بِذاتِكَ وصِفاتِكَ مَعْدُومًا. ثُمَّ صِرْتَ مَوْجُودًا فَلا بُدَّ لَكَ في ذاتِكَ وصِفاتِكَ مِن خالِقٍ، وهَذا الخَلْقُ والإيجادُ تَرْبِيَةٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنِّي رَبُّكَ وأنْتَ مَرْبُوبِي.
* *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ لا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ الَّذِي حَصَلَ مِنهُ الخَلْقُ واسْتَأْثَرَ بِهِ لا خالِقَ سِواهُ.
والثّانِي: أنْ يُقَدَّرَ لَهُ مَفْعُولٌ ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَيَتَناوَلُ كُلَّ مَخْلُوقٍ، لِأنَّهُ مُطْلَقٌ، فَلَيْسَ حَمْلُهُ عَلى البَعْضِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الباقِي، كَقَوْلِنا: اللَّهُ أكْبَرُ، أيْ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ تَخْصِيصٌ لِلْإنْسانِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ جُمْلَةِ المَخْلُوقاتِ، إمّا لِأنَّ التَّنْزِيلَ إلَيْهِ أوْ لِأنَّهُ أشْرَفُ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ مُبْهَمًا ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ تَفْخِيمًا لِخَلْقِ الإنْسانِ ودَلالَةً عَلى عَجِيبِ فِطْرَتِهِ.