Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 93:5
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ واعْلَمِ اتِّصالَهُ بِما تَقَدَّمَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: هو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الآخِرَةَ ”خَيْرٌ لَهُ مِنَ الأُولى“ ولَكِنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ أنَّ ذَلِكَ التَّفاوُتَ إلى أيِّ حَدٍّ يَكُونُ، فَبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ مِقْدارَ ذَلِكَ التَّفاوُتِ، وهو أنَّهُ يَنْتَهِي إلى غايَةِ ما يَتَمَنّاهُ الرَّسُولُ ويَرْتَضِيهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: كَأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ فَقِيلَ ولِمَ قُلْتَ إنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَقالَ: لِأنَّهُ يُعْطِيهِ كُلَّ ما يُرِيدُهُ وذَلِكَ مِمّا لا تَتَّسِعُ الدُّنْيا لَهُ، فَثَبَتَ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الأُولى، واعْلَمْ أنَّهُ إنْ حَمَلْنا هَذا الوَعْدَ عَلى الآخِرَةِ فَقَدْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى المَنافِعِ، وقَدْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى التَّعْظِيمِ، أمّا المَنافِعُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْفُ قَصْرٍ في الجَنَّةِ مِن لُؤْلُؤٍ أبْيَضَ تُرابُهُمُ المِسْكُ وفِيها ما يَلِيقُ بِها، وأمّا التَّعْظِيمُ فالمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذا هو الشَّفاعَةُ في الأُمَّةِ، يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ: «إذًا لا أرْضى وواحِدٌ مِن أُمَّتِي في النّارِ»، واعْلَمْ أنَّ الحَمْلَ عَلى الشَّفاعَةِ مُتَعَيِّنٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: