Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 90:16-19
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ كانَ يُوصِي بَعْضُهم بَعْضًا بِالصَّبْرِ عَلى الإيمانِ والثَّباتِ عَلَيْهِ أوِ الصَّبْرِ عَلى المَعاصِي وعَلى الطّاعاتِ والمِحَنِ الَّتِي يُبْتَلى بِها المُؤْمِنُ ثُمَّ ضَمَّ إلَيْهِ التَّواصِيَ بِالمَرْحَمَةِ وهو أنْ يَحُثَّ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى أنْ يَرْحَمَ المَظْلُومَ أوِ الفَقِيرَ، أوْ يَرْحَمَ المُقْدِمَ عَلى مُنْكَرٍ فَيَمْنَعَهُ مِنهُ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ داخِلٌ في الرَّحْمَةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى المَرْءِ أنْ يَدُلَّ غَيْرَهُ عَلى طَرِيقِ الحَقِّ ويَمْنَعَهُ مِن سُلُوكِ طَرِيقِ الشَّرِّ والباطِلِ ما أمْكَنَهُ، واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ يَعْنِي: يَكُونُ مُقْتَحِمُ العَقَبَةِ مِن هَذِهِ الزُّمْرَةِ والطّائِفَةِ، وهَذِهِ الطّائِفَةُ هم أكابِرُ الصَّحابَةِ كالخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ وغَيْرِهِمْ، فَإنَّهم كانُوا مُبالِغِينَ في الصَّبْرِ عَلى شَدائِدِ الدِّينِ والرَّحْمَةِ عَلى الخَلْقِ، وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ إشارَةٌ إلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، ومَدارُ أمْرِ الطّاعاتِ لَيْسَ إلّا عَلى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ وهو الَّذِي قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ الأصْلَ في التَّصَوُّفِ أمْرانِ: صِدْقٌ مَعَ الحَقِّ، وخُلُقٌ مَعَ الحَقِّ.