Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 90:16-19
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أيْ مِسْكِينًا قَدْ لَصِقَ بِالتُّرابِ مِن فَقْرِهِ وضُرِّهِ، فَلَيْسَ فَوْقَهُ ما يَسْتُرُهُ ولا تَحْتَهُ ما يُوَطِّئُهُ، رُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ مَرَّ بِمِسْكِينٍ لاصِقٍ بِالتُّرابِ فَقالَ: هَذا الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى [ فِيهِ ]: ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المِسْكِينَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَمْلِكُ شَيْئًا، لِأنَّهُ لَوْ كانَ لَفْظُ المِسْكِينِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يَمْلِكُ شَيْئًا البَتَّةَ لَكانَ تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ تَكْرِيرًا وهو غَيْرُ جائِزٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: كانَ مُقْتَحِمُ العَقَبَةِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنهم لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الطّاعاتِ، ولا مُقْتَحِمًا لِلْعَقَبَةِ (فَإنْ قِيلَ): لَمّا كانَ الإيمانُ شَرْطًا لِلِانْتِفاعِ بِهَذِهِ الطّاعاتِ وجَبَ كَوْنُهُ مُقَدَّمًا عَلَيْها، فَما السَّبَبُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أخَّرَهُ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؟ والجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا التَّراخِيَ في الذِّكْرِ لا في الوُجُودِ، كَقَوْلِهِ:
إنَّ مَن سادَ ثُمَّ سادَ أبُوهُ ثُمَّ قَدْ سادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ
لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: ”ثُمَّ سادَ أبُوهُ“ التَّأخُّرَ في الوُجُودِ، وإنَّما المَعْنى، ثُمَّ اذْكُرْ أنَّهُ سادَ أبُوهُ. كَذَلِكَ في الآيَةِ.