Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 90:1-3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا الرّابِعُ: وهو يَكُونُ اللَّفْظُ مَحْمُولًا عَلى الكُلِّ فَهو الحَقُّ.
وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ لَيْسَ في هَذِهِ الدُّنْيا لَذَّةٌ البَتَّةَ، بَلْ ذاكَ يُظَنُّ أنَّهُ لَذَّةٌ فَهو خَلاصٌ عَنِ الألَمِ، فَإنَّ ما يُتَخَيَّلُ مِنَ اللَّذَّةِ عِنْدَ الأكْلِ فَهو خَلاصٌ عِنْدَ ألَمِ الجُوعِ، وما يُتَخَيَّلُ مِنَ اللَّذّاتِ عِنْدَ اللُّبْسِ فَهو خَلاصٌ عَنْ ألَمِ الحَرِّ والبَرْدِ، فَلَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ألَمٌ أوْ خَلاصٌ عَنْ ألَمٍ وانْتِقالٌ إلى آخَرَ، فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ويَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ لا بُدَّ لِلْإنْسانِ مِنَ البَعْثِ والقِيامَةِ، لِأنَّ الحَكِيمَ الَّذِي دَبَّرَ خِلْقَةَ الإنْسانِ إنْ كانَ مَطْلُوبُهُ مِنهُ أنْ يَتَألَّمَ، فَهَذا لا يَلِيقُ بِالرَّحْمَةِ، وإنْ كانَ مَطْلُوبُهُ أنْ لا يَتَألَّمَ ولا يَلْتَذَّ، فَفي تَرْكِهِ عَلى العَدَمِ كِفايَةٌ في هَذا المَطْلُوبِ، وإنْ كانَ مَطْلُوبُهُ أنْ يَلْتَذَّ، فَقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لَيْسَ في هَذِهِ الحَياةِ لَذَّةٌ، وأنَّهُ خَلَقَ الإنْسانَ في هَذِهِ الدُّنْيا في كَبَدٍ ومَشَقَّةٍ ومِحْنَةٍ، فَإذًا لا بُدَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ مِن دارٍ أُخْرى، لِتَكُونَ تِلْكَ الدّارُ دارَ السَّعاداتِ واللَّذّاتِ والكَراماتِ.
وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي: وهو أنْ يُفَسَّرَ الكَبَدُ بِالِاسْتِواءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”في كَبَدٍ“ أيْ: قائِمًا مُنْتَصِبًا، والحَيَواناتُ الأُخَرُ تَمْشِي مُنَكَّسَةً، فَهَذا امْتِنانٌ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الخِلْقَةِ.