Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 89:21-23
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّالِثُ: يَتَذَكَّرُ يَتُوبُ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣]:
صفحة ١٥٩
واعْلَمْ أنَّ بَيْنَ قَوْلِهِ: (يَتَذَكَّرُ) وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ تَناقُضًا فَلا بُدَّ مِن إضْمارِ المُضافِ والمَعْنى ومِن أيْنَ لَهُ مَنفَعَةُ الذِّكْرى.
ويَتَفَرَّعُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ مَسْألَةٌ أُصُولِيَّهٌ، وهي أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ عِنْدَنا غَيْرُ واجِبٍ عَلى اللَّهِ عَقْلًا، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هو واجِبٌ. فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلى قَوْلِنا أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ هَهُنا عَلى أنَّ الإنْسانَ يَعْلَمُ في الآخِرَةِ أنَّ الَّذِي يَعْمَلُهُ في الدُّنْيا لَمْ يَكُنْ أصْلَحَ لَهُ وإنَّ الَّذِي تَرَكَهُ كانَ أصْلَحَ لَهُ، ومَهْما عَرَفَ ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَنْدَمَ عَلَيْهِ، وإذا حَصَلَ النَّدَمُ فَقَدْ حَصَلَتِ التَّوْبَةُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَفى كَوْنَ تِلْكَ التَّوْبَةِ نافِعَةً بِقَوْلِهِ: ﴿وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ فَعَلِمْنا أنَّ التَّوْبَةَ لا يَجِبُ عَقْلًا قَبُولُها، فَإنْ قِيلَ: القَوْمُ إنَّما نَدِمُوا عَلى أفْعالِهِمْ لا لِوَجْهِ قُبْحِها بَلْ لِتُرَتِّبِ العِقابِ عَلَيْها، فَلا جَرَمَ ما كانَتِ التَّوْبَةُ صَحِيحَةً ؟ قُلْنا: القَوْمُ لَمّا عَلِمُوا أنَّ النَّدَمَ عَلى القَبِيحِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِوَجْهِ قُبْحِهِ حَتّى يَكُونَ نافِعًا وجَبَ أنْ يَكُونَ نَدَمُهم واقِعًا عَلى هَذا الوَجْهِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُونَ آتِينَ بِالتَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ مَعَ عَدَمِ القَبُولِ، فَصَحَّ قَوْلُنا.