Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 89:21-23
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ: ﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ فالمَعْنى أنَّهُ تَنَزَّلَ مَلائِكَةُ كُلِّ سَماءٍ فَيَصْطَفُّونَ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ مُحَدِّقِينَ بِالجِنِّ والإنْسِ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩١] قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: جِيءَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ مَزْمُومَةً بِسَبْعِينَ ألْفَ زِمامٍ مَعَ كُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَها حَتّى تَنْصَبَّ عَنْ يَسارِ العَرْشِ فَتَشْرُدُ شَرْدَةً لَوْ تُرِكَتْ لَأحْرَقَتْ أهْلَ الجَمْعِ، قالَ الأُصُولِيُّونَ: ومَعْلُومٌ أنَّها لا تَنْفَكُّ عَنْ مَكانِها، فالمُرادُ ﴿وبُرِّزَتِ﴾ أيْ ظَهَرَتْ حَتّى رَآها الخَلْقُ، وعَلِمَ الكافِرُ أنَّ مَصِيرَهُ إلَيْها، ثُمَّ قالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾ واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: إذا دُكَّتِ الأرْضُ وحَصَلَ كَذا وكَذا فَيَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ، وفي تَذَكُّرِهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يَتَذَكَّرُ ما فَرَّطَ فِيهِ لِأنَّهُ حِينَ كانَ في الدُّنْيا كانَتْ هِمَّتُهُ تَحْصِيلَ الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّهُ في الآخِرَةِ يَتَذَكَّرُ أنَّ ذَلِكَ كانَ ضَلالًا، وكانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ هِمَّتُهُ تَحْصِيلَ الآخِرَةِ.
الثّانِي: يَتَذَكَّرُ أيْ: يَتَّعِظُ، والمَعْنى أنَّهُ ما كانَ يَتَّعِظُ في الدُّنْيا فَيَصِيرُ في الآخِرَةِ مُتَّعِظًا فَيَقُولُ: ﴿يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ [الأنعام: ٢٧] .