Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 89:15-19
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُها: أنَّ سَعادَةَ الدُّنْيا وشَقاوَتَها في مُقابَلَةِ ما في الآخِرَةِ مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، فالمُتَنَعِّمُ في الدُّنْيا لَوْ كانَ شَقِيًّا في الآخِرَةِ فَذاكَ التَّنَعُّمُ لَيْسَ بِسَعادَةٍ، والمُتَألِّمُ المُحْتاجُ في الدُّنْيا لَوْ كانَ سَعِيدًا في الآخِرَةِ فَذاكَ لَيْسَ بِإهانَةٍ ولا شَقاوَةٍ، إذِ المُتَنَعِّمُ في الدُّنْيا لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَحْكُمَ عَلى نَفْسِهِ بِالسَّعادَةِ والكَرامَةِ، والمُتَألِّمُ في الدُّنْيا لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَحْكُمَ عَلى نَفْسِهِ بِالشَّقاوَةِ والهَوانِ.
وثانِيها: أنَّ حُصُولَ النِّعْمَةِ في الدُّنْيا وحُصُولَ الآلامِ في الدُّنْيا لا يَدُلُّ عَلى الِاسْتِحْقاقِ فَإنَّهُ تَعالى كَثِيرًا ما يُوَسِّعُ عَلى العُصاةِ والكَفَرَةِ، إمّا لِأنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وإمّا بِحُكْمِ المَصْلَحَةِ، وإمّا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْراجِ والمَكْرِ، وقَدْ يُضَيِّقُ عَلى الصِّدِّيقِينَ لِأضْدادِ ما ذَكَرْنا، فَلا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَظُنَّ أنَّ ذَلِكَ لِمُجازاةٍ.
وثالِثُها: أنَّ المُتَمِّمَ لا يَنْبَغِي أنْ يَغْفُلَ عَنِ العاقِبَةِ، فالأُمُورُ بِخَواتِيمِها، والفَقِيرُ والمُحْتاجُ لا يَنْبَغِي أنْ يَغْفُلَ عَمّا لِلَّهِ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لا حَدَّ لَها مِن سَلامَةِ البَدَنِ والعَقْلِ والدِّينِ ودَفْعِ الآفاتِ والآلامِ الَّتِي لا حَدَّ لَها ولا حَصْرَ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَقْضِيَ عَلى نَفْسِهِ بِالإهانَةِ مُطْلَقًا.