Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 87:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: تَمَسَّكَتِ المُجَسِّمَةُ في إثْباتِ العُلُوِّ بِالمَكانِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّكَ الأعْلى﴾ والحَقُّ أنَّ العُلُوَّ بِالجِهَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، لِأنَّهُ تَعالى إمّا أنْ يَكُونَ مُتَناهِيًا أوْ غَيْرَ مُتَناهٍ، فَإنْ كانَ مُتَناهِيًا كانَ طَرَفُهُ الفَوْقانِيُّ مُتَناهِيًا، فَكانَ فَوْقَهُ جِهَةً فَلا يَكُونُ هو سُبْحانَهُ أعْلى مِن جَمِيعِ الأشْياءِ وأمّا إنْ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ فالقَوْلُ: بِوُجُودِ أبْعادٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ مُحالٌ وأيْضًا فَلِأنَّهُ إنْ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ ذاتُهُ تَعالى مُخْتَلِطَةً بِالقاذُوراتِ تَعالى اللَّهَ عَنْهُ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ مِن بَعْضِ الجِهاتِ ومُتَناهِيًا مِن بَعْضِ الجِهاتِ كانَ الجانِبُ المُتَناهِي مُغايِرًا لِلْجانِبِ غَيْرِ المُتَناهِي فَيَكُونُ مُرَكَّبًا مِن جُزْأيْنِ، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فَواجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ مُمْكِنُ الوُجُودِ، وهَذا مُحالٌ. فَثَبَتَ أنَّ العُلُوَّ هاهُنا لَيْسَ بِمَعْنى العُلُوِّ في الجِهَةِ، مِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يُنافِي أنْ يَكُونَ المُرادُ هو العُلُوُّ بِالجِهَةِ، أمّا ما قَبْلَ الآيَةِ فَلِأنَّ العُلُوَّ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ العالَمِ، وهَذا لا يُناسِبُ اسْتِحْقاقَ التَّسْبِيحِ والثَّناءِ والتَّعْظِيمِ، أمّا العُلُوُّ بِمَعْنى كَمالِ القُدْرَةِ والتَّفَرُّدِ بِالتَّخْلِيقِ والإبْداعِ فَيُناسِبُ ذَلِكَ، والسُّورَةُ هاهُنا مَذْكُورَةٌ لِبَيانِ وصْفِهِ تَعالى بِما لِأجْلِهِ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ والثَّناءَ والتَّعْظِيمَ، وأمّا ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَلِأنَّهُ أرْدَفَ قَوْلَهُ: (الأعْلى) بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ والخالِقِيَّةُ تُناسِبُ العُلُوَّ بِحَسَبِ القُدْرَةِ لا العُلُوَّ بِحَسَبِ الجِهَةِ.