Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 86:1-4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ أنَّ هَذا الحافِظَ مَن هو، ولَيْسَ فِيها أيْضًا بَيانُ أنَّ الحافِظَ يَحْفَظُ النَّفْسَ عَمّاذا. أمّا الأوَّلُ: فَفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الحافِظَ هو اللَّهُ تَعالى. أمّا في التَّحْقِيقِ فَلِأنَّ كُلَّ وُجُودٍ سِوى اللَّهِ مُمْكِنٌ، وكُلُّ مُمْكِنٍ فَإنَّهُ لا يَتَرَجَّحُ وُجُودُهُ عَلى عَدَمِهِ إلّا لِمُرَجِّحٍ ويَنْتَهِي ذَلِكَ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، فَهو سُبْحانُهُ القَيُّومُ الَّذِي بِحِفْظِهِ وإبْقائِهِ تَبْقى المَوْجُوداتُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ هَذا المَعْنى في السَّماواتِ والأرْضِ عَلى العُمُومِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] وبَيَّنَهُ في هَذِهِ الآيَةِ في حَقِّ الإنْسانِ عَلى الخُصُوصِ وحَقِيقَةُ الكَلامِ تَرْجِعُ إلى أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ، فَإنَّهُ مُمْكِنُ الوُجُودِ مُحْدَثٌ مُحْتاجٌ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ، هَذا إذا حَمَلْنا النَّفْسَ عَلى مُطْلَقِ الذّاتِ، أمّا إذا حَمَلْناها عَلى النَّفْسِ المُتَنَفِّسَةِ وهي النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَوْنِهِ تَعالى حافِظًا لَها كَوْنَهُ تَعالى عالِمًا بِأحْوالِها ومُوَصِّلًا إلَيْها جَمِيعَ مَنافِعِها ودافِعًا عَنْها جَمِيعَ مَضارِّها.