Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 84:15-20
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكافِرِ: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ثُمَّ أفْتى سُبْحانَهُ بِأنَّهُ يَحُورُ فَلَمّا قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، وهَذا إنَّما يَحْسُنُ عِنْدَ ظُهُورِ الحُجَّةِ وزَوالِ الشُّبُهاتِ، الأمْرُ هاهُنا كَذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أقْسَمَ بِتَغْيِيراتٍ واقِعَةٍ في الأفْلاكِ والعَناصِرِ، فَإنَّ الشَّفَقَ حالَةٌ مُخالِفَةٌ لِما قَبْلَها وهو ضَوْءُ النَّهارِ، ولِما بَعْدَها وهو ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ ظُلْمَةٍ بَعْدَ نُورٍ، وعَلى تَغَيُّرِ أحْوالِ الحَيَواناتِ مِنَ اليَقَظَةِ إلى النَّوْمِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ كَمالِ القَمَرِ بَعْدَ أنْ كانَ ناقِصًا، فَإنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِهَذِهِ الأحْوالِ المُتَغَيِّرَةِ عَلى تَغَيُّرِ أحْوالِ الخَلْقِ، وهَذا يَدُلُّ قَطْعًا عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِالبَعْثِ، لِأنَّ القادِرَ عَلى تَغْيِيرِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ مِن حالٍ إلى حالٍ وصِفَةٍ إلى صِفَةٍ بِحَسَبِ المَصالِحِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ في نَفْسِهِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ لا مَحالَةَ قادِرًا عَلى البَعْثِ والقِيامَةِ، فَلَمّا كانَ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ كالدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ لا جَرَمَ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ .