cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 83:18-21

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ الفُجّارِ المُطَفِّفِينَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ حالِ الأبْرارِ الَّذِينَ لا يُطَفِّفُونَ، فَقالَ: (كَلّا) أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما تَوَهَّمَهُ أُولَئِكَ الفُجّارُ مِن إنْكارِ البَعْثِ ومِن أنَّ كِتابَ اللَّهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ. واعْلَمْ أنَّ لِأهْلِ اللُّغَةِ في لَفْظِ ”عِلِّيِّينَ“ أقْوالًا، ولِأهْلِ التَّفْسِيرِ أيْضًا أقْوالًا، أمّا أهْلُ اللُّغَةِ قالَ أبُو الفَتْحِ المَوْصِلِيُّ: ”عِلِّيِّينَ“ جَمْعُ عِلِّيٍّ، وهو فِعِّيلٌ مِنَ العُلُوِّ، وقالَ الزَّجّاجُ: إعْرابُ هَذا الِاسْمِ كَإعْرابِ الجَمْعِ لِأنَّهُ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ قِنِّسْرُونَ ورَأيْتُ قِنِّسْرِينَ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها السَّماءُ الرّابِعَةُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّها السَّماءُ السّابِعَةُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هي قائِمَةُ العَرْشِ اليُمْنى فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ، وقالَ الضَّحّاكُ: هي سِدْرَةُ المُنْتَهى، وقالَ الفَرّاءُ: يَعْنِي ارْتِفاعًا بَعْدَ ارْتِفاعٍ لا غايَةَ لَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: أعْلى الأمْكِنَةِ، وقالَ آخَرُونَ: هي مَراتِبُ عالِيَةٌ مَحْفُوظَةٌ بِالجَلالَةِ قَدْ عَظَّمَها اللَّهُ وأعْلى شَأْنَها، وقالَ آخَرُونَ: عِنْدَ كِتابِ أعْمالِ المَلائِكَةِ، وظاهِرُ القُرْآنِ يَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ الأخِيرِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ تَنْبِيهًا لَهُ عَلى أنَّهُ مَعْلُومٌ لَهُ، وأنَّهُ سَيَعْرِفُهُ ثُمَّ قالَ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ كِتابَهم في هَذا الكِتابِ المَرْقُومِ الَّذِي يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى كَما وكَّلَهم بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ فَكَذَلِكَ يُوَكِّلُهم بِحِفْظِ كُتُبِ الأبْرارِ في جُمْلَةِ ذَلِكَ الكِتابِ الَّذِي هو أُمُّ الكِتابِ عَلى وجْهِ الإعْظامِ لَهُ ولا يَمْتَنِعُ أنَّ الحَفَظَةَ إذا صَعَدَتْ بِكُتُبِ الأبْرارِ فَإنَّهم يُسَلِّمُونَها إلى هَؤُلاءِ المُقَرَّبِينَ فَيَحْفَظُونَها كَما يَحْفَظُونَ كُتُبَ أنْفُسِهِمْ أوْ يَنْقُلُونَ ما في تِلْكَ الصَّحائِفِ إلى ذَلِكَ الكِتابِ الَّذِي وُكِّلُوا بِحِفْظِهِ ويَصِيرُ عِلْمُهم شَهادَةً لِهَؤُلاءِ الأبْرارِ، فَلِذَلِكَ يُحاسَبُونَ حِسابًا يَسِيرًا، لِأنَّ هَؤُلاءِ المُقَرَّبِينَ يَشْهَدُونَ لَهم بِما حَفِظُوهُ مِن أعْمالِهِمْ، وإذا كانَ هَذا الكِتابُ في السَّماءِ صَحَّ قَوْلُ مَن تَأوَّلَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ في السَّماءِ العالِيَةِ، فَتَتَقارَبُ الأقْوالُ في ذَلِكَ، وإذًا كانَ الَّذِي ذَكَرْناهُ أوْلى.

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.