Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 83:4-6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ الظَّنِّ هاهُنا هو الظَّنُّ نَفْسُهُ لا العِلْمُ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ المُطَفِّفِينَ هَبْ أنَّهم لا يَجْزِمُونَ بِالبَعْثِ ولَكِنْ لا أقَلَّ مِنَ الظَّنِّ، فَإنَّ الألْيَقَ بِحِكْمَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ ورِعايَتِهِ مَصالِحَ خَلْقِهِ أنْ لا يُهْمِلَ أمْرَهم بَعْدَ المَوْتِ بِالكُلِّيَّةِ، وأنْ يَكُونَ لَهم حَشْرٌ ونَشْرٌ، وأنَّ هَذا الظَّنَّ كافٍ في حُصُولِ الخَوْفِ، كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ: هَبْ أنَّ هَؤُلاءِ لا يَقْطَعُونَ بِهِ أفَلا يَظُنُّونَهُ أيْضًا، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”يَوْمَ“ بِالنَّصْبِ والجَرِّ، أمّا النَّصْبُ فَقالَ الزَّجّاجُ: يَوْمَ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ
صفحة ٨٣
(مَبْعُوثُونَ) والمَعْنى ألا يَظُنُّونَ أنَّهم يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: وقَدْ يَكُونُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ إلّا أنَّهُ أُضِيفُ إلى يَفْعُلَ فَنُصِبَ، وهَذا كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ) وأمّا الجَرُّ فَلِكَوْنِهِ بَدَلًا مِن (يَوْمٍ عَظِيمٍ) .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا القِيامُ لَهُ صِفاتٌ:
الصِّفَةُ الأُولى: سَبَبُهُ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو الأصَحُّ أنَّ النّاسَ يَقُومُونَ لِمُحاسَبَةِ رَبِّ العالَمِينَ، فَيَظْهَرُ هُناكَ هَذا التَّطْفِيفُ الَّذِي يُظَنُّ أنَّهُ حَقِيرٌ، فَيَعْرِفُ هُناكَ كَثْرَتَهُ واجْتِماعَهُ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] .