Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 81:15-27
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ٦٦
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (لا أُقْسِمُ) قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]، ﴿بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ، الظّاهِرَةُ أنَّها النُّجُومُ الخُنَّسُ جَمْعُ خانِسٍ، والخُنُوسُ والِانْقِباضُ والِاسْتِخْفاءُ، تَقُولُ: خَنَسَ مِن بَيْنِ القَوْمِ وانْخَنَسَ، وفي الحَدِيثِ «”الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلى العَبْدِ فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ“» أيِ انْقَبَضَ ولِذَلِكَ سُمِّيَ الخَنّاسَ و(الكُنَّسِ) جَمْعُ كانِسٍ وكانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ إذا دَخَلَ الكِناسَ وهو مَقَرُّ الوَحْشِ يُقالُ كَنَسَ الظِّباءُ في كُنُسِها، وتَكَنَّسَتِ المَرْأةُ إذا دَخَلَتْ هَوْدَجَها تَشَبَّهُ بِالظَّبْيِ إذا دَخَلَ الكِناسُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في خُنُوسِ النُّجُومِ وكُنُوسِها عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
فالقَوْلُ الأظْهَرُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى رُجُوعِ الكَواكِبِ الخَمْسَةِ السَّيّارَةِ واسْتِقامَتِها، فَرُجُوعُها هو الخُنُوسُ، وكُنُوسُها اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ وفِيها أسْرارٌ عَظِيمَةٌ باهِرَةٌ.
القَوْلُ الثّانِي: ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ أنَّها هي جَمِيعُ الكَواكِبِ، وخُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ غَيْبُوبَتِها عَنِ البَصَرِ في النَّهارِ، وكُنُوسُها عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِها لِلْبَصَرِ في اللَّيْلِ أيْ تَظْهَرُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها.