Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 80:24-25
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى جارِيَةٌ في القُرْآنِ بِأنَّهُ كُلَّما ذَكَرَ الدَّلائِلَ المَوْجُودَةَ في الأنْفُسِ، فَإنَّهُ يَذْكُرُ عَقِيبَها الدَّلائِلَ المَوْجُودَةَ في الآفاقِ فَجَرى هاهُنا عَلى تِلْكَ العادَةِ وذَكَرَ دَلائِلَ الآفاقِ وبَدَأ بِما يَحْتاجُ الإنْسانُ إلَيْهِ.
فَقالَ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ كَيْفَ دَبَّرْنا أمْرَهُ، ولا شَكَّ أنَّهُ مَوْضِعُ الِاعْتِبارِ،
صفحة ٥٧
فَإنَّ الطَّعامَ الَّذِي يَتَناوَلُهُ الإنْسانُ لَهُ حالَتانِ: إحْداهُما: مُتَقَدِّمَةٌ وهي الأُمُورُ الَّتِي لا بُدَّ مِن وُجُودِها حَتّى يَدْخُلَ ذَلِكَ الطَّعامُ في الوُجُودِ. والثّانِيَةُ: مُتَأخِّرَةٌ، وهي الأُمُورُ الَّتِي لا بُدَّ مِنها في بَدَنِ الإنْسانِ حَتّى يَحْصُلَ لَهُ الِانْتِفاعُ بِذَلِكَ الطَّعامِ المَأْكُولِ، ولَمّا كانَ النَّوْعُ الأوَّلُ أظْهَرَ لِلْحُسْنِ وأبْعَدَ عَنِ الشُّبْهَةِ، لا جَرَمَ اكْتَفى اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِهِ، لِأنَّ دَلائِلَ القُرْآنِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِها كُلُّ الخَلْقِ، فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أبْعَدَ عَنِ اللَّبْسِ والشُّبْهَةِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ واعْلَمْ أنَّ النَّبْتَ إنَّما يَحْصُلُ مِنَ القَطْرِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ الواقِعِ في الأرْضِ، فالسَّماءُ كالذَّكَرِ، والأرْضُ كالأُنْثى فَذُكِرَ في بَيانِ نُزُولِ القَطْرِ.
قَوْلُهُ: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: