Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 80:17-23
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ الثّالِثَةَ مُشْتَمِلَةٌ أيْضًا عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ: الإماتَةُ، والإقْبارُ، والإنْشارُ، أمّا الإماتَةُ فَقَدْ ذَكَرْنا مَنافِعَها في هَذا الكِتابِ، ولا شَكَّ أنَّها هي الواسِطَةُ بَيْنَ حالِ التَّكْلِيفِ والمُجازاةِ، وأمّا الإقْبارُ فَقالَ الفَرّاءُ: جَعَلَهُ اللَّهُ مَقْبُورًا ولَمْ يَجْعَلْهُ مِمَّنْ يُلْقى لِلطَّيْرِ والسِّباعِ، لِأنَّ القَبْرَ مِمّا أُكْرِمَ بِهِ المُسْلِمَ، قالَ: ولَمْ يَقُلْ فَقَبَرَهُ، لِأنَّ القابِرَ هو الدّافِنُ بِيَدِهِ، والمُقْبِرُ هو اللَّهُ تَعالى، يُقالُ: قَبَرَ المَيِّتَ إذا دَفَنَهُ، وأقْبَرَ المَيِّتَ إذا أمَرَ غَيْرَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ في القَبْرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: بَتَرْتُ ذَنَبَ البَعِيرِ واللَّهُ أبْتَرَهُ، وعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ واللَّهُ أعْضَبَهُ، وطَرَدْتُ فُلانًا عَنِّي، واللَّهُ أطْرَدَهُ، أيْ صَيَّرَهُ طَرِيدًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ المُرادُ مِنهُ الإحْياءُ [ و] البَعْثُ، وإنَّما قالَ إذا شاءَ إشْعارًا بِأنَّ وقْتَهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنا، فَتَقْدِيمُهُ وتَأْخِيرُهُ مَوْكُولٌ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا سائِرُ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُعْلَمُ أوْقاتُها مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، إذِ المَوْتُ وإنْ لَمْ يَعْلَمِ الإنْسانُ وقْتَهُ فَفي الجُمْلَةِ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَتَجاوَزُ فِيهِ إلّا حَدًّا مَعْلُومًا.