Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 80:17-23
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَدَأ بِذِكْرِ القِصَّةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى تَرَفُّعِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، عَجِبَ عِبادُهُ المُؤْمِنُونَ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ سَبَبٍ في هَذا العَجَبِ والتَّرَفُّعِ مَعَ أنَّ أوَّلَهُ نُطْفَةٌ
صفحة ٥٥
قَذِرَةٌ وآخِرَهُ جِيفَةٌ مَذِرَةٌ، وفِيها بَيْنَ الوَقْتَيْنِ حَمّالُ عَذِرَةٍ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ تَعالى ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِعَجَبِهِمْ، وما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عِلاجًا لِكُفْرِهِمْ، فَإنَّ خِلْقَةَ الإنْسانِ تَصْلُحُ لِأنْ يُسْتَدُلَّ بِها عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، ولِأنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى القَوْلِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِالإنْسانِ الَّذِينَ أقْبَلَ الرَّسُولُ عَلَيْهِمْ وتَرَكَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ بِسَبَبِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ ذَمُّ كُلِّ غَنِيٍّ تَرَفَّعَ عَلى فَقِيرٍ بِسَبَبِ الغِنى والفَقْرِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم لِتَرَفُّعِهم فَوَجَبَ أنْ يَعُمَّ الحُكْمُ بِسَبَبِ عُمُومِ العِلَّةِ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى زَيَّفَ طَرِيقَتَهم بِسَبَبِ حَقارَةِ حالِ الإنْسانِ في الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ عَلى ما قالَ: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ وعُمُومُ هَذا الزَّجْرِ يَقْتَضِي عُمُومَ الحُكْمِ.