Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 79:26-28
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: صَرِيحُ العَقْلِ يَشْهَدُ بِأنَّ جِرْمَ السَّماءِ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أكْبَرَ مِمّا هو الآنَ بِمِقْدارِ خَرْدَلَةٍ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أصْغَرَ بِمِقْدارِ خَرْدَلَةٍ، فاخْتِصاصُ هَذا المِقْدارِ بِالوُقُوعِ دُونَ الأزْيَدِ والأنْقَصِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِمُخَصِّصٍ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ لِلسَّماءِ مِن بانٍ، (فَإنْ قِيلَ): لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى خَلَقَ شَيْئًا وأعْطاهُ قُدْرَةً يَتَمَكَّنُ ذَلِكَ المَخْلُوقُ بِتِلْكَ القُدْرَةِ مِن خَلْقِ الأجْسامِ، فَيَكُونُ خالِقُ السَّماءِ وبانِيها هو ذَلِكَ الشَّيْءَ ؟
الجَوابُ: مِنَ العُلَماءِ مَن قالَ: المَعْلُومُ بِالعَقْلِ أنَّهُ لا بُدَّ لِلسَّماءِ مِن مُحْدِثٍ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ آخِرِ الأمْرِ إلى قَدِيمٍ، والإلَهُ قَدِيمٌ واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ واحِدٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَأمّا نَفْيُ الواسِطَةِ فَإنَّما يُعْلَمُ بِالسَّمْعِ، فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: (بَناها) يَدُلُّ عَلى أنَّ بانِيَ السَّماءِ هو اللَّهُ لا غَيْرُهُ، ومِنهم مَن قالَ: بَلِ العَقْلُ يَدُلُّ عَلى بُطْلانِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما عَداهُ مُحْدَثٌ ثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ لا مُوجَبٌ، والَّذِي كانَ مَقْدُورًا لَهُ إنَّما صَحَّ كَوْنُهُ مَقْدُورًا لَهُ بِكَوْنِهِ مُمْكِنًا، فَإنَّكَ لَوْ رَفَعْتَ الإمْكانَ بَقِيَ الوُجُوبُ أوِ الِامْتِناعُ، وهُما يُحِيلانِ المَقْدُورِيَّةَ، وإذا كانَ
صفحة ٤٣