Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 79:1-5
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الثّالِثُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِماتِ الخَمْسَةِ أنَّها هي الأرْواحُ، وذَلِكَ لِأنَّ نَفْسَ المَيِّتِ تَنْزِعُ، يُقالُ: فُلانٌ في النَّزْعِ، وفُلانٌ يَنْزِعُ إذا كانَ في سِياقِ المَوْتِ، والأنْفُسُ نازِعاتٌ عِنْدَ السِّياقِ، ومَعْنى (غَرْقًا) أيْ نَزْعًا شَدِيدًا أبْلَغَ ما يَكُونُ وأشَدَّ مِن إغْراقِ النّازِعِ في القَوْسِ، وكَذَلِكَ تَنْشِطُ لِأنَّ النَّشْطَ مَعْناهُ الخُرُوجُ، ثُمَّ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ الخالِيَةُ عَنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ المُشْتاقَةُ إلى الِاتِّصالِ العُلْوِيِّ بَعْدَ خُرُوجِها مِن ظُلْمَةِ الأجْسادِ تَذْهَبُ إلى عالَمِ المَلائِكَةِ، ومَنازِلِ القُدْسِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ في رَوْحٍ ورَيْحانٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَهابِها عَلى هَذِهِ الحالَةِ بِالسِّباحَةِ، ثُمَّ لا شَكَّ أنَّ مَراتِبَ الأرْواحِ في النَّفْرَةِ عَنِ الدُّنْيا ومَحَبَّةِ الِاتِّصالِ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ مُخْتَلِفَةٌ، فَكُلَّما كانَتْ أتَمَّ في هَذِهِ الأحْوالِ كانَ سَيْرُها إلى هُناكَ أسْبَقَ، وكُلَّما كانَتْ أضْعَفَ كانَ سَيْرُها إلى هُناكَ أثْقَلَ، ولا شَكَّ أنَّ الأرْواحَ السّابِقَةَ إلى هَذِهِ الأحْوالِ أشْرَفُ، فَلا جَرَمَ وقَعَ القَسَمُ بِها، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ العالِيَةَ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيها ما يَكُونُ لِقُوَّتِها وشَرَفِها يَظْهَرُ مِنها آثارٌ في أحْوالِ هَذا العالَمِ، فَهي ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ ألَيْسَ أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَرى أُسْتاذَهُ في المَنامِ ويَسْألُهُ عَنْ مُشْكِلَةٍ فَيُرْشِدُهُ إلَيْها؟ ألَيْسَ أنَّ الِابْنَ قَدْ يَرى أباهُ في المَنامِ فَيَهْدِيهِ إلى كَنْزٍ مَدْفُونٍ؟ ألَيْسَ أنَّ جالِينُوسَ قالَ: كُنْتُ مَرِيضًا فَعَجَزْتُ عَنْ عِلاجِ نَفْسِي، فَرَأيْتُ في المَنامِ واحِدًا أرْشَدَنِي إلى كَيْفِيَّةِ العِلاجِ؟ ألَيْسَ أنَّ الغَزالِيَّ قالَ: إنَّ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها، ثُمَّ اتَّفَقَ إنْسانٌ مُشابِهٌ لِلْإنْسانِ الأوَّلِ في الرُّوحِ والبَدَنِ، فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ لِلنَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ بِهَذا البَدَنِ حَتّى تَصِيرَ كالمُعاوِنَةِ لِلنَّفْسِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ البَدَنِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ فَتُسَمّى تِلْكَ المُعاوَنَةُ إلْهامًا؟ ونَظِيرُهُ في جانِبِ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ وسْوَسَةٌ، وهَذِهِ المَعانِي وإنْ لَمْ تَكُنْ مَنقُولَةً عَنِ المُفَسِّرِينَ إلّا أنَّ اللَّفْظَ