Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 79:1-5
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ٢٨
﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ وهو إشارَةٌ إلى مَراتِبِ المَلائِكَةِ في تِلْكَ السِّباحَةِ، فَإنَّهُ كَما أنَّ مَراتِبَ مَعارِفِ البَهائِمِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَراتِبِ مَعارِفِ البَشَرِ ناقِصَةٌ، ومَراتِبَ مَعارِفِ البَشَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَراتِبِ مَعارِفِ المَلائِكَةِ ناقِصَةٌ، فَكَذَلِكَ مَعارِفُ بَعْضِ تِلْكَ المَلائِكَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَراتِبِ مَعارِفِ الباقِينَ مُتَفاوِتَةٌ، وكَما أنَّ المُخالَفَةَ بَيْنَ نَوْعِ الفَرَسِ ونَوْعِ الإنْسانِ بِالماهِيَّةِ لا بِالعَوارِضِ، فَكَذا المُخالَفَةُ بَيْنَ شَخْصِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ شَخْصِ الآخَرِ بِالماهِيَّةِ، فَإذا كانَتْ أشْخاصُها مُتَفاوِتَةً بِالماهِيَّةِ لا بِالعَوارِضِ كانَتْ لا مَحالَةَ مُتَفاوِتَةً في دَرَجاتِ المَعْرِفَةِ وفي مَراتِبِ التَّجَلِّي، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾، فَهاتانِ الكَلِمَتانِ المُرادُ مِنهُما شَرْحُ أحْوالِ قُوَّتِهِمُ العاقِلَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ فَهو إشارَةٌ إلى شَرْحِ حالِ قُوَّتِهِمُ العامِلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ حالٍ مِن أحْوالِ العالَمِ السُّفْلِيِّ مُفَوَّضٌ إلى تَدْبِيرِ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عُمّارُ العالَمِ العُلْوِيِّ وسُكّانُ بِقاعِ السَّماواتِ، ولَمّا كانَ التَّدْبِيرُ لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ العِلْمِ، لا جَرَمَ قَدَّمَ شَرْحَ القُوَّةِ العاقِلَةِ الَّتِي لَهم عَلى شَرْحِ القُوَّةِ العامِلَةِ الَّتِي لَهُمْ، فَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ احْتِمالٌ ظاهِرٌ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ مِن كَلامِهِ.