Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 78:10-12
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُهُما: أنَّهُ مَصْدَرٌ، يُقالُ: عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا ومَعِيشَةً وعِيشَةً، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، والمَعْنى: وجَعْلِنا النَّهارَ وقْتَ المَعاشِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعاشًا مَفْعَلًا وظَرْفًا لِلتَّعَيُّشِ، وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى الإضْمارِ، ومَعْنى كَوْنِ النَّهارِ مَعاشًا أنَّ الخَلْقَ إنَّما يُمْكِنُهُمُ التَّقَلُّبُ في حَوائِجِهِمْ ومَكاسِبِهِمْ في النَّهارِ لا في اللَّيْلِ.
وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾ أيْ سَبْعَ سَماواتٍ (شِدادًا) جَمْعُ شَدِيدَةٍ يَعْنِي مُحْكَمَةً قَوِيَّةَ الخَلْقِ لا يُؤَثِّرُ فِيها مُرُورُ الزَّمانِ، لا فُطُورَ فِيها ولا فُرُوجَ، ونَظِيرُهُ ﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٢] فَإنْ قِيلَ: لَفْظُ البِناءِ يُسْتَعْمَلُ في أسافِلِ البَيْتِ والسَّقْفِ في أعْلاهُ فَكَيْفَ قالَ: ﴿وبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا﴾ ؟ قُلْنا: البِناءُ يَكُونُ أبْعَدَ مِنَ الآفَةِ والِانْحِلالِ مِنَ السَّقْفِ، فَذِكْرُ قَوْلِهِ: (وبَنَيْنا) إشارَةٌ إلى أنَّهُ وإنْ كانَ سَقْفًا لَكِنَّهُ في البُعْدِ عَنِ الِانْحِلالِ كالبِناءِ، فالغَرَضُ مِنَ اخْتِيارِ هَذا اللَّفْظِ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ.