Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 77:38-45
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: خُصُوصُ كَوْنِهِ عَنِ الشِّرْكِ، ومَتى وُجِدَ المُرَكَّبُ، فَقَدْ وُجِدَ كُلُّ واحِدٍ مِن مُفْرَداتِهِ لا مَحالَةَ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ مَن صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ مُتَّقٍ عَنِ الشِّرْكِ، فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ مُتَّقٍ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَتَناوَلُ كُلَّ مَن كانَ مُتَّقِيًا لِأيِّ شَيْءٍ كانَ، إلّا أنّا نَقُولُ: كَوْنُهُ كَذَلِكَ لا يَقْدَحُ فِيما قُلْناهُ؛ لِأنَّهُ خَصَّ كُلَّ مَن لَمْ يَكُنْ مُتَّقِيًا عَنْ جَمِيعِ أنْواعِ الكُفْرِ، فَيَبْقى فِيما عَداهُ حُجَّةً؛ لِأنَّ العالِمَ الَّذِي دَخَلَ التَّخْصِيصَ يَبْقى حُجَّةً فِيما عَداهُ.
وثانِيها: أنَّ
صفحة ٢٤٩
هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها مُرَتَّبَةٌ في تَقْرِيعِ الكُفّارِ عَلى كُفْرِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَذْكُورَةً لِهَذا الغَرَضِ، وإلّا لَتَفَكَّكَتِ السُّورَةُ في نَظْمِها وتَرْتِيبِها، والنَّظْمُ إنَّما يَبْقى لَوْ كانَ هَذا الوَعْدُ حاصِلًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ؛ لِأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ وعِيدُ الكافِرِ بِسَبَبِ كُفْرِهِ، وجَبَ أنْ يُقْرَنَ ذَلِكَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِ بِسَبَبِ إيمانِهِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا في الزَّجْرِ عَنِ الكُفْرِ، فَأمّا أنْ يُقْرَنَ بِهِ وعْدُ المُؤْمِنِ بِسَبَبِ طاعَتِهِ، فَذَلِكَ غَيْرُ لائِقٍ بِهَذا النَّظْمِ والتَّرْتِيبِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ كُلُّ مَن كانَ مُتَّقِيًا عَنِ الشِّرْكِ والكُفْرِ.