Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 77:35-37
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ يُوهِمُ أنَّ لَهم عُذْرًا، وقَدْ مُنِعُوا مِن ذِكْرِهِ، وهَذا لا يَلِيقُ بِالحَكِيمِ، (والجَوابُ): أنَّهُ لَيْسَ لَهم في الحَقِيقَةِ عُذْرٌ، ولَكِنْ رُبَّما تَخَيَّلُوا خَيالًا فاسِدًا أنَّ لَهم فِيهِ عُذْرًا، فَهم لا يُؤْذَنُ لَهم في ذِكْرِ ذَلِكَ العُذْرِ الفاسِدِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ العُذْرَ الفاسِدَ هو أنْ يَقُولَ: لَمّا كانَ الكُلُّ بِقَضائِكَ وعِلْمِكَ ومَشِيئَتِكَ وخَلْقِكَ، فَلِمَ تُعَذِّبُنِي عَلَيْهِ، فَإنَّ هَذا عُذْرٌ فاسِدٌ؛ إذْ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَمْنَعَ المالِكَ عَنِ التَّصَرُّفِ في مِلْكِهِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ قالَ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقالَ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ [طه: ١٣٤]، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ ذَلِكَ أنْ لا يَبْقى في قَلْبِهِ أنَّ لَهُ عُذْرًا، فَهَبْ أنَّ عُذْرَهُ في مَوْقِفِ القِيامَةِ فاسِدٌ، فَلِمَ لا يُؤْذَنُ لَهُ في ذِكْرِهِ حَتّى يَذْكُرَهُ، ثُمَّ يُبَيَّنُ لَهُ فَسادَهُ ؟ قُلْنا: لَمّا تَقَدَّمَ الإعْذارُ والإنْذارُ في الدُّنْيا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ كانَ إعادَتُها غَيْرَ مُفِيدَةٍ.