Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 77:35-37
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ نَصَبَ الأعْمَشُ ”يَوْمَ“، أيْ: هَذا الَّذِي قَصَّ عَلَيْكم واقِعٌ يَوْمَئِذٍ، اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ السّادِسُ مِن أنْواعِ تَخْوِيفِ الكُفّارِ وتَشْدِيدِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم عُذْرٌ ولا حُجَّةٌ فِيما أتَوْا بِهِ مِنَ القَبائِحِ، ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى دَفْعِ العَذابِ عَنْ أنْفُسِهِمْ، فَيَجْتَمِعُ في حَقِّهِ في هَذا المَقامِ أنْواعٌ مِنَ العَذابِ:
أحَدُها: عَذابُ الخَجالَةِ، فَإنَّهُ يَفْتَضِحُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ويَظْهَرُ لِكُلٍّ قُصُورُهُ وتَقْصِيرُهُ، وكُلُّ مَن لَهُ عَقْلٌ سَلِيمٌ عَلِمَ أنَّ عَذابَ الخَجالَةِ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ بِالسَّيْفِ والِاحْتِراقِ بِالنّارِ.
وثانِيها: وُقُوفُ العَبْدِ الآبِقِ عَلى بابِ المَوْلى ووُقُوعُهُ في يَدِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ الصّادِقُ الَّذِي يَسْتَحِيلُ الكَذِبُ عَلَيْهِ، عَلى ما قالَ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] .
وثالِثُها: أنَّهُ يَرى في ذَلِكَ المَوْقِفِ خُصَماءَهُ الَّذِينَ كانَ يَسْتَخِفُّ بِهِمْ ويَسْتَحْقِرُهم فائِزِينَ بِالثَّوابِ والتَّعْظِيمِ، ويَرى نَفْسَهُ فائِزًا بِالخِزْيِ والنَّكالِ، وهَذِهِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ مِنَ العَذابِ الرُّوحانِيِّ.