Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 77:29-34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ الشَّرَرَ في العِظَمِ بِالقَصْرِ، وفي اللَّوْنِ والكَثْرَةِ والتَّتابُعِ وسُرْعَةِ الحَرَكَةِ بِالجِمالاتِ الصُّفْرِ، وقِيلَ أيْضًا: إنَّ ابْتِداءَ الشَّرَرِ يَعْظُمُ فَيَكُونُ كالقَصْرِ، ثُمَّ يَفْتَرِقُ فَتَكُونُ تِلْكَ القِطَعُ المُتَفَرِّقَةُ المُتَتابِعَةُ كالجِمالاتِ الصُّفْرِ، واعْلَمْ أنَّهُ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾: إنَّ هَذا التَّشْبِيهَ إنَّما ورَدَ في بِلادِ العَرَبِ، وقُصُورُهم قَصِيرَةُ السَّمْكِ جارِيَةٌ مَجْرى الخَيْمَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ، فَلَمّا سَمِعَ أبُو العَلاءِ المَعَرِّيُّ بِهَذا تَصَرَّفَ فِيهِ وشَبَّهَهُ بِالخَيْمَةِ مِنَ الأدِيمِ، وهو قَوْلُهُ:
حَمْراءَ ساطِعَةَ الذَّوائِبِ في الدُّجى تَرْمِي بِكُلِّ شَرارَةٍ كَطِرافِ
ثُمَّ زَعَمَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ مُعارَضَةً لِهَذِهِ الآيَةِ، وأقُولُ: كانَ الأوْلى لِصاحِبِ الكَشّافِ أنْ لا يَذْكُرَ ذَلِكَ، وإذْ قَدْ ذَكَرَهُ فَلا بُدَّ لَنا مِن تَحْقِيقِ الكَلامِ فِيهِ، فَنَقُولُ: تَشْبِيهُ الشَّرارَةِ بِالطِّرافِ يُفِيدُ التَّشْبِيهَ في الشَّكْلِ والعِظَمِ، أمّا الشَّكْلُ فَمِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الشَّرارَةَ تَكُونُ قَبْلَ انْشِعابِها كالنُّقْطَةِ مِنَ النّارِ، فَإذا انْشَعَبَتِ اتَّسَعَتْ، فَهي كالنُّقْطَةِ الَّتِي تَتَّسِعُ، فَهي تُشْبِهُ الخَيْمَةَ، فَإنَّ رَأْسَها كالنُّقْطَةِ، ثُمَّ إنَّها لا تَزالُ تَتَّسِعُ شَيْئًا فَشَيْئًا.