Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 77:20-24
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَّرَهم كَوْنَهُ قادِرًا عَلى الِابْتِداءِ، وظاهِرٌ في العَقْلِ أنَّ القادِرَ عَلى الِابْتِداءِ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، فَلَمّا أنْكَرُوا هَذِهِ الدَّلالَةَ الظّاهِرَةَ لا جَرَمَ قالَ في حَقِّهِمْ: ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، وأمّا التَّفْسِيرُ فَهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ مِنَ النُّطْفَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨]، ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ وهو الرَّحِمُ؛ لِأنَّ ما يُخْلَقُ مِنهُ الوَلَدُ لا بُدَّ وأنْ يَثْبُتَ في الرَّحِمِ ويَتَمَكَّنَ، بِخِلافِ ما لا يُخْلَقُ مِنهُ الوَلَدُ، ثُمَّ قالَ: ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ والمُرادُ كَوْنُهُ في الرَّحِمِ إلى وقْتِ الوِلادَةِ، وذَلِكَ الوَقْتُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ تَعالى لا لِغَيْرِهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ﴾ [لقمان: ٣٤] . ﴿فَقَدَرْنا﴾ قَرَأ نافِعٌ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، أمّا التَّشْدِيدُ فالمَعْنى: إنّا قَدَّرْنا ذَلِكَ تَقْدِيرًا فَنِعْمَ المُقَدِّرُونَ لَهُ نَحْنُ، ويَتَأكَّدُ هَذا الوَجْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] ولِأنَّ إيقاعَ الخَلْقِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّحْدِيدِ نِعْمَةٌ مِنَ المُقَدِّرِ عَلى المَخْلُوقِ، فَحَسُنَ ذِكْرُهُ في مَوْضِعِ ذِكْرِ
صفحة ٢٤١