Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 77:1-6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الكَلِماتِ الخَمْسِ بِأسْرِها الرِّياحُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِرِياحِ عَذابٍ أرْسَلَها عُرْفًا، أيْ مُتَتابِعَةً كَشَعْرِ العُرْفِ، كَما قالَ: ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ [الأعراف: ٥٧]، ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ﴾ [الحجر: ٢٢] ثُمَّ إنَّها تَشْتَدُّ حَتّى تَصِيرَ عَواصِفَ ورِياحَ رَحْمَةٍ، نَشَرَتِ السَّحابَ في الجَوِّ، كَما قالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ﴾ [الروم: ٤٨] ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ: الرِّياحُ تُعِينُ النَّباتَ والزَّرْعَ والشَّجَرَ عَلى النُّشُورِ والإنْباتِ؛ وذَلِكَ لِأنَّها تُلَقِّحُ فَيَبْرُزُ النَّباتُ بِذَلِكَ، عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] فَبِهَذا الطَّرِيقِ تَكُونُ الرِّياحُ ناشِرَةً لِلنَّباتِ، وفي كَوْنِ الرِّياحِ فارِقَةً وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الرِّياحَ تُفَرِّقُ بَعْضَ أجْزاءِ السَّحابِ عَنْ بَعْضٍ.
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى خَرَّبَ بَعْضَ القُرى بِتَسْلِيطِ الرِّياحِ عَلَيْها، كَما قالَ: ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة: ٦]، وذَلِكَ سَبَبٌ لِظُهُورِ الفَرْقِ بَيْنَ أوْلِياءِ اللَّهِ وأعْداءِ اللَّهِ.
وثالِثُها: أنَّ عِنْدَ حُدُوثِ الرِّياحِ المُخْتَلِفَةِ وتَرْتِيبِ الآثارِ العَجِيبَةِ عَلَيْها مِن تَمَوُّجِ السَّحابِ وتَخْرِيبِ الدِّيارِ تَصِيرُ الخَلْقُ مُضْطَرِّينَ إلى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ
صفحة ٢٣٥