Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 76:15-16
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ طَعامَهم ولِباسَهم ومَسْكَنَهم وصَفَ بَعْدَ ذَلِكَ شَرابَهم، وقَدَّمَ عَلَيْهِ وصْفَ تِلْكَ الأوانِي الَّتِي فِيها يَشْرَبُونَ، فَقالَ: ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ في الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قالَ تَعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ [الزخرف: ٧١]، والصِّحافُ هي القِصاعُ، والغالِبُ فِيها الأكْلُ، فَإذا كانَ ما يَأْكُلُونَ فِيهِ ذَهَبًا، فَما يَشْرَبُونَ فِيهِ أوْلى أنْ يَكُونَ ذَهَبًا؛ لِأنَّ العادَةَ أنْ يُتَنَوَّقَ في إناءِ الشُّرْبِ ما لا يُتَنَوَّقُ في إناءِ الأكْلِ، وإذا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ إناءَ شُرْبِهِمْ يَكُونُ مِنَ الذَّهَبِ، فَكَيْفَ ذُكِرَ هَهُنا أنَّهُ مِنَ الفِضَّةِ، (والجَوابُ): أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَتارَةً يُسْقَوْنَ بِهَذا، وتارَةً بِذاكَ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما الفَرْقُ بَيْنَ الآنِيَةِ والأكْوابِ ؟ (الجَوابُ): قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الأكْوابُ: الكِيزانُ الَّتِي لا عُرى لَها، فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى أنَّ الإناءَ يَقَعُ فِيهِ الشُّرْبُ كالقَدَحِ، والكُوبُ ما صُبَّ مِنهُ في الإناءِ كالإبْرِيقِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى ”كانَتْ“ ؟ (الجَوابُ): هو مِن ”يَكُونُ“ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] أيْ تَكَوَّنَتْ قَوارِيرَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ؛ تَفْخِيمًا لِتِلْكَ الخِلْقَةِ العَجِيبَةِ الشَّأْنِ، الجامِعَةِ بَيْنَ صِفَتَيِ الجَوْهَرَيْنِ المُتَبايِنَيْنِ.