Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 76:6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا﴾ مَعْناهُ يُفَجِّرُونَها حَيْثُ شاءُوا مِن مَنازِلِهِمْ تَفْجِيرًا سَهْلًا لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا وصَفَ ثَوابَ الأبْرارِ في الآخِرَةِ شَرَحَ أعْمالَهُمُ الَّتِي بِها اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ الثَّوابَ:
فالأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الإيفاءُ بِالشَّيْءِ هو الإتْيانُ بِهِ وافِيًا، أمّا النَّذْرُ فَقالَ أبُو مُسْلِمٍ: النَّذْرُ كالوَعْدِ، إلّا أنَّهُ إذا كانَ مِنَ العِبادِ فَهو نَذْرٌ، وإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَهو وعْدٌ، واخْتُصَّ هَذا اللَّفْظُ في عُرْفِ الشَّرْعِ بِأنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذا وكَذا مِنَ الصَّدَقَةِ، أوْ يُعَلِّقَ ذَلِكَ بِأمْرٍ يَلْتَمِسُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: إنْ شَفى اللَّهُ مَرِيضِي، أوْ رَدَّ غائِبِي فَعَلَيَّ كَذا كَذا، واخْتَلَفُوا فِيما إذا عُلِّقَ ذَلِكَ بِما لَيْسَ مِن وُجُوهِ البِرِّ، كَما إذا قالَ: إنْ دَخَلَ فُلانٌ الدّارَ فَعَلَيَّ كَذا، فَمِنَ النّاسِ مَن جَعَلَهُ كاليَمِينِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ مِن بابِ النَّذْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِلْمُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ أقْوالٌ:
أوَّلُها: أنَّ المُرادَ مِنَ النَّذْرِ هو النَّذْرُ فَقَطْ، ثُمَّ قالَ الأصَمُّ: هَذا مُبالَغَةٌ في وصْفِهِمْ بِالتَّوَفُّرِ عَلى أداءِ الواجِباتِ. لِأنَّ مَن وفّى بِما أوْجَبَهُ هو عَلى نَفْسِهِ كانَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أوْفى، وهَذا التَّفْسِيرُ في غايَةِ الحُسْنِ.